الجمعة، 3 يوليو، 2015

مفهوم السلم في الإسلام

د. أياد كامل الزيباري
أستاذ في فاكولتي العلوم الإنسانية/ جامعة زاخو
1- السلم في اللغة: السِلمُ : السّلامُ والسّلامَةُ: البراءة، وتسلمَ منه: تبرأ. وقال ابن الأعرابي: السلامة العافية، وقيل: السِلْمُ (بالكسر) السّلامُ(1).
والسِلْمُ: المسالِمُ. تقول: أنا سِلْمٌ لمن سالِمِني. وقوم سِلْمٌ وسَلْمٌ: مُسالِمون، وكذلك امرأة سِلْمٌ وسَلْمٌ، وتسالموا: تصالحوا(2).
السَّلَم والسِّلْم والسَّلْم، وقد قُرئ على ثلاثة أوجه، والسِّلْم: ضد الحرب، ومنه اشتقاق السَّلامة. والسَّليم: الملدوغ، سُمَّي بذلك تفاؤلاً بالسلامة، في قول بعض أهل اللغة(3).
السِّلْم: بالكسر والسكون: ضد الحرب، وهو من الألفاظ التي أوائلها مكسورة، وأوائل أضدادها مفتوحة،
كالخصب والجَدب، والعِلم والجهل، وأشباه ذلك. وهو أيضاً: الإسلام، وهو التسليم لله بلا منازعة، وهو جعل كل شيء، عيناً وعرضاً، مخلوقاً لله تعالى، واعتقاد أنه تعالى موجود، بلا بداية ولا نهاية، موصوف بالصفات الحسنة. والسِّلم، بمعنى: الصلح، يفتح ويكسر، ويذكر ويؤنث(4). فـ (السِلْمُ يعني السلام، وقرأ أبو عمرو قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} (5) بكسرالسين، وذهب أن معناه: الإسلام. والسِلْمُ: الصلح، والسلم: المسالم، تقول: أنا سلم لمن سالمني. والسَلامُ: السلامة، والسلام: الاستسلام، والسلام: الاسم من التسليم، السلام: اسم من أسماء الله تعالى، والسلامة: البراءة من العيوب(6).
(السَلام) اسم من (سَلمَ) عليه، و(سَلامٌ) اسم رجل، و(السِلْمُ) بكسر السين وفتحها: الصلح(7). والسلام هو اسم من أسماء الله الحسنى، وقد ورد في قوله تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (8).
وقال ابن منظور: السلام اسم الله تعالى، لسلامته من العيب والنقص والفناء(9).
2- السلم في الاصطلاح: ضد الحرب. وهو وضع يسود فيه الأمن والسلام، ويشعر فيه الفرد بالأمان والسكينة والاستقرار، وهو عامل أساسي لتقدم الأمم وازدهارها، وهذا المعنى المتعارف عليه، أي حالة أمة، أو دولة، ليست في حرب، كما أنه يعني العلاقات الودية بين الناس، وانعدام العدوانية، والعنف، داخل المجموعة البشرية، كما يعني الوفاق بين أعضاء مجموعة بشرية متقاربة ومتصلة الروابط (10).
وفي القاموس السياسي، السلام هو مصطلح يستخدم في العلاقات الدولية، ليشير إلى انعدام العدوان الدولي، مع وجود روابط للعلاقات القوية، بين مجموعة من الدول، وتصدق كذلك على بعض النظم، التي نجحت في تنظيم العلاقات بين دولتين، أو أكثر، وعملت على استقرارها سياسيا(11).
وقيل إن السلام يعني السلامة، والسلامة تعني الحماية من جميع الآفات. كما يقال للجنة (دار السلام)، لأنها دار سلامة، وقال تعالى: {َلهمْ دَارُ السَّلَامِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (12).
والسلام: تحية المسلمين، وهي: (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته)، وجاء في القرآن الكريم:}وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ{(13).
كما ارتبط السلام بالأمن، قال تعالى: {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ}(14)، ودين الإسلام هو دين الأمن والسلام، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} (15).
والسلام الذي جاء به الإسلام، هو سلام عام مع النفس البشرية، أي: سلام مع الذات، ومع الجماعة، والمجتمع، والعالم كله(16). والسلام في الإسلام يقوم على العقيدة، وينبثق منها، فهي الأساس الأول في الإسلام.
والسلام بشكل عام يعني: السلامة والرضا والبراءة من العيوب، وجملة ذلك يتضمن أيضاً: الأمان والرضا واستقرار النفس، وهي معان كبيرة وجليلة، يرومها الناس والأجيال، وهم يجهدون جميعاً، لتحقيقها في حياتهم، وفي واقعهم (17).
وأما الإسلام، فهو دين الله، الذي ارتضاه للبشر كافة، ومنهجه العادل المتميز، الذي جاء هداية للناس، ليخرجهم من ظلمات الخوف والقلق والمعاناة، إلى نور الأمان والاستقرار والرضا وكريم العيش. ولا يقال ذلك من باب التعصب للإسلام، ولكنها الحقيقة، وهي حقيقة تنطق بها كلمة الإسلام، بشقيها: العملي والنظري(18). والسلم في الإسلام حقيقة لا غبار عليها، وأما ما يروج، من قبل بعض الناس، أن هذا الدين هو دين القتل والإرهاب والخوف، فكلها أكاذيب وأباطيل، لا حقيقة لها أصلاً، وهم لا يعرفون عن الإسلام شيئاً، لأن السلم في الإسلام قائم على الحق والعدل، وهو الأصل في السياسة الشرعية، لأن ذلك يحقق التعايش السلمي بين الشعوب والأمم، مع الحفاظ على استقلالية وكرامة المسلمين، والحيلولة دون تسلط الكافرين على رقابهم ومقدراتهم (19).
والسلم العالمي هو المحور الذي تدور عليه شرائع الإسلام وأحكامه، غير أن السلم لا يوجد ولا يتنامى إلا في حصن العدالة، وهذا ما يقرره المنطق، ويجزم به التاريخ، ويعرفه الناس جميعاً. لذا، فقد كان اهتمام الإسلام بالعدل، وترسيخ دعائمه، مساوياً لمدى اهتمامه بالسلم، ومد رواقه. بل كان لا بد له - منهجاً- أن يراعي الأول، ابتغاء وصوله إلى الثاني.
ومن هنا كانت ضرورة الجهاد، وأهميته، لأنه الوسيلة الفاعلة لدفع الظلم، وصد العدوان، وإشاعة السلام، فبين السلم والعدالة تلازم مستمر، في الطرد، والعكس. وكلما امتد سلطان العدل، امتد رواق السلم، وكلما تقلص سلطان العدل، امتد في مكانه ظلم وجور، وتقلص رواق السلم أيضاً، وتفتحت في مكانه ثغرات الهرج والمرج -أي القتل والفتن-(20).
وأساس علاقة المسلمين في الإسلام مع غيرهم، قائم على التسامح والعدل. وترجع النظرة المتسامحة إلى الأفكار، والحقائق الناصعة، التي غرسها الإسلام في عقول المسلمين، وقلوبهم، وأهمها :.
 1- اعتقاد كل مسلم بكرامة الإنسان، أياً كان دينه أو جنسه أو لونه. قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا}(21). وهذه الكرامة المقررة توجب لكل إنسان حق الاحترام والرعاية.
 2- اعتقاد المسلم أن اختلاف الناس في الدين واقع بمشيئة الله تعالى، الذي منح هذا النوع من خلقه الحرية والاختيار، فيما يفعل ويدع، قال تعالى: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا} (22). وقال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ}(23).
 3- ليس المسلم مكلفاً بمحاسبة الكافرين على كفرهم، أو معاقبة الضالين على ضلالهم، ولكنه مكلف بالدعوة إلى الله تعالى، بالحكمة والموعظة الحسنة. قال تعالى: {وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ، اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}(24). وقال تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}(25)، وحسابهم وجزاؤهم متروك لله تعالى.
 4- إيمان المسلم بأن الله يأمر بالعدل والقسط، ويدعو إلى مكارم الأخلاق، ولو مع المشركين، ويكره الظلم ويعاقب الظالمين، ولو كان الظلم من مسلم لكافر. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}(26)، وقال (صلى الله عليه وسلم): (وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حِجَاب)(27)،(28).
والإسلام يمنع الاعتداء، أيا كانت صورته. قال تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}(29)، حتى وإن كان المسلمون أغلبية، لأنه يطلب منهم حينئذ مراعاة غيرهم. قال (صلى الله عليه وسلم): (من آذى ذمياً، فأنا خصمه يوم القيامة)(30)، وقول عمر بن الخطاب(رضي الله عنه) لعمرو بن العاص - واليه على مصر- عندما ضرب ابن القبطي: (متى استعبدتم الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً)(31). وعلى هذا يجب علينا بناء العلاقات مع غير المسلمين على أساس الحقوق والواجبات والأخلاق الرفيعة، ونقرر أن كل أحكام السلم مبنية على إقامة العدالة بين المسلمين، وغيرهم، ومنع الاعتداء والظلم، وحماية حقوق وحريات المسلمين، وغيرهم(32).
--------------------------
الهوامش:
(1) ابن منظور، لسان العرب، ج 12، ص289.
(2) المصدر نفسه، ج12، ص 289.
(3) ابن دريد، جمهرة اللغة، الباب (س ل م) ج1، ص 326. www. Al warraq. Com
(4) أبو البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكفوي، (ت109هـ)، الكليات (معجم في المصطلحات والفروق اللغوية)،
 تحقيق: د.عدنان درويش ومحمد المصري، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 2، 1419هـ - 1998م، ص 802.
(5) سورة البقرة: الآية (208).
(6) محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي، مختار الصحاح، تحقيق: محمود خاطر، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت، 1415 هـ- 1995م، باب السين، ص 326.
(7) أحمد بن محمد بن علي الفيومي المقري، المصباح المنير، تحقيق: يوسف الشيخ محمد، المكتبة العصرية، باب (س ل م) ج1، ص 149.
(8) سورة الحشر: الآية (23).
(9) ابن منظور، لسان العرب، ج 12، ص289.
(10) www.artist-dz.com/montada-f80/topic-t607.htm
(11) bou45200.maktoobblog.com/1560010
(12) سورة الأنعام: الآية (127).
(13) سورة إبراهيم: الآية (23).
(14) سورة الحجر: الآية (46).
(15) سورة البقرة: الآية (208).
(16) ينظر: د. عدنان السيد حسين، العلاقات الدولية بين المسلمين، ص 47- 48.
(17) د. أمير عبد العزيز، نظام الإسلام، دار ابن الجوزي، القاهرة، ط1، 1426هـ ـ2005م،ص 41.
(18) المصدر نفسه، ص 41.
(19) عباس الذهبـي، العلاقات الدولية للحكومة الإسلامية من وجهتي النظر الفقهية والسياسية، من كتاب: الحكومة من
 وجهة نظر المذاهب الإسلامية، مجموعة من المقالات المختارة للمؤتمر العالمي العاشر للوحدة الإسلامية، ربيع
 الأول، 1418هـ ــ 1998م، ص396.
(20) ينظر، د. محمد سعيد رمضان، الجهاد في الإسلام كيف نفهمه وكيف نمارسه، دار الفكر، دمشق، ط1، 1427هـ - 2006م، ص 227-228.
(21) سورة الإسراء: الآية (70).
(22) سورة الكهف: الآية (29).
(23) سورة هود: الآية (118).
(24) سورة الحج: الآية (68-69).
(25) سورة العنكبوت: الآية (46).
(26) سورة المائدة : الآية (8).
(27) أحمد بن حنبل، المسند، تحقيق: شعيب الأرنوط وآخرون، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2، 1420 هـ- 1999م، ج3، رقم الحديث 2071. وصححه شعيب الأرنؤوطي.
(28) د.يوسف القرضاوي، غير المسلمين في المجتمع الإسلامي، مكتبة وهبة، القاهرة، 1425هـ - 1995م، ص 51-52.
(29) سورة البقرة: الآية (190).
(30) بدر الدين العيني (855هـ)، شرح سنن أبي داود، ج6،ص 420، رقم الحديث 1785.
(31) د.علي محمد الصلابي، سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، دار المعرفة، بيروت، ط7، 1428هـ- 2007م، ص337.

(32) الأمام محمد أبو زهرة، العلاقات الدولية في الإسلام، دار الفكر العربي، القاهرة، 1425هـ - 1995م، ص 94.

هناك تعليق واحد: