الجمعة، 1 مايو، 2015

ثقافة الطفل.. أهميتها، مشكلاتها

عبد المجيد إبراهيم قاسم
تُعرف الطفولة بأنها أهمُّ المراحل في حياة الإنسان، وأكثرها تأثيراً في بناءِ شخصيته، من النواحي الجسديّة والنفسيّة والفكريّة كافّة، وتكمُن أهمية هذه المرحلة الممتدَّة من الولادة حتى بداية المراهقة، بأنها مرحلةُ تشكّل المفاهيم والمهارات والقيم الأساسيّة. لقد كان يُنظر إلى الأطفال قديماً على أنهم رجالٌ صِغار، عليهم خوضُ غِمار الحياة، ومواجهة صعابها، بطرائق الراشد وأساليبه. لكن، وبعد التطوّرات الهائلة التي شَهدتها وتشهدها العلوم، والتغيّرات التي طرأتْ على النظريّات التربوية بخاصة، ومع تجدُّد المفاهيم حول عالم الطفولة، وتبدُّل النظرة إليها، ثبُت - قطعاً - أن للأطفال قدراتٍ واحتياجاتٍ وميولاً خاصة بهم، فأدركتِ الأممُ والشعوب - بإدراكها تلك الحقائق - قيمة هذهِ المرحلة الحقيقيّة، وأخذت بالاهتمام بأطفالها، وإيلائهم الرعاية الكافية، حتى عُدَّ هذا
الينبوع الإنساني أهمَّ ثرواتِها، وأسمى الغايات التي تنهض بها إلى التطوّر والتقدّم، وفي الوقت نفسه عُدّ - ذاك الاهتمام - مؤشِّراً لتقدُّمها ورقيِّها، ومقياساً لمكانتها بين مصافِّ نظيراتها.. وقد أصبحَ الاهتمامُ بتربيةِ الطفل ثقافيّاً - تحديداً - هدفاً استراتيجياً وتنموياً، ومن الضروراتِ التي تجتهد في مجالاتها الشعوب، كونها تحملُ رسالةً عظيمة في مضمُونها ومحتواها. فالتربيةُ الثقافية التي يتشرَّبها الطفلُ اليوم، هي التي ستسهِمُ في توجيه مسار حياته، وتحديد اتجاهاتها، مستقبلاً. 

مفهوم ثقافة الأطفال
الثقافة عمُوماً هي: مجموع المعارف والأفكار، والفنون والآداب، والعادات والتقاليد والقيم، بل هي كلّ ما يكتسبه الفرد من محيطه. من هذا المنظور يعرِّف (عبدالتواب يوسف) ثقافة الطفل، في كتابه (تنمية ثقافة الطفل) بأنها: "هي خليطٌ ممّا يرثه من أبويه وأُسرته، وما يصلهُ من عاداتٍ وتقاليدَ، وما يكتسبه من معرفة وعلم، وما يتأثَّر به من فنون، وما يمارسه منها، وما يعتقد فيه، ويؤمن به، وما يتَّصف به من خلق، وما تتميَّز به شخصيته من ملامح، وكلّ ما يسود في مجتمعه من أفكار وآراء وقوانين، وما يشيع فيه من ثقافة عامة".
والثقافةُ هي وليدة التواصُل بين طرفين: الإنسان، والبيئة المحيطة به، التي تعدُّ أهمّ العوامل المؤثِّرة في تكوينها.. وإذا كانت الثقافة التي تُقدَّم للطفل في مجتمع ما، هي المستمدة من ثقافة ذلك المجتمع، والتي تتمثّلُ في أسلوبِ الحياة السائد فيه، فإن ذلك لا يعني - إطلاقاً - بأنها تبسيطٌ للثقافةِ السّائدة، أو أنها نقلٌ عن ثقافة الكبار، مع التسهيل، بل هي عملية قائمة بذاتها، لها من الخصائص ما يميِّزها عن ثقافة الراشدين. من جهة أُخرى، فإن (ثقافةَ الطفل) لا تتَّخذُ طابعاً واحداً، على الرغم مِنَ الإطار العامّ الذي يحكم آلياتها، ذلك لأن الأطفال مختلفون باختلاف أطوار نموِّهم، وبحسب المراحل التي يعيشونها. كما أنها تختلف أيضاً تبعاً للظروف الاقتصادية والاجتماعية والعلمية الخاصّة بكلِّ أُسرة، أو مجتمع من المجتمعات. لذا كانت الحاجة إلى ثقافةٍ مختلفة - نسبياً - لكلِّ طورٍ من أطوار الطفولة، وملائمة من حيث المضمون والأسلوب للمستوى الخاص بالطفل، حتى تكون ذاتَ فائدة وإمتاع، كما هو مطلوب منها. إذاً ثقافة الطفل تعني: مجمل الأعمال الأدبية والتعليمية والترفيهية الموجَّهة للأطفال، والتي يضعها الكبار غالباً، والمختلفة عن ثقافتهم كمَّاً ونوعاً، بهدف بناء شخصياتهم، وتنمية مكوِّناتها وقدراتها، وبما يتناسب إمكاناتهم، ويلبـِّي احتياجاتهم المتنامية.

أهمية ثقافة الأطفال، وأهمّ اعتباراتها
ينفر الأطفال - بطبيعتهم - من طرائق التعليم التي تدعو لملءِ أذهانهم بالمعارف النظرية، وتقدِّم النصائح الأخلاقية الجاهزة بأساليب الحفظ والتلقين، التي تقتلُ ملكاتِ الإبداع لديهم.. لذا ومن خلال الأساليب التثقيفيّة الحديثة، والتي تنأى عن الطرائق والأساليب التقليدية، يمكن تربية الطفل وتعليمه، وإكسابه طرائق التعلّم بالوسيلة التي يحبّها، وإيصال ما نريد إيصاله له من الأفكار والقيم والعادات، بالأداة التي تروقه وتعجبه. والأطفال - أيضاً - مفطورون على حبِّ المعرفة والاستطلاع، ممتلكون لدوافع قويَّة إلى الاستكشاف والتخيُّل، وعشق مواقف البطولة والمغامرة، لذا يمكن إرضاء دوافعهم وميولهم بأساليب التثقيف الحديثة المتنوِّعة، واستثمار رغباتهم الفطرية لأقصى حدودها، إذ إن أهداف ثقافة الطفل لم تعد اليوم مجرَّد معارف يحقن بها الطفل، بل أصبحت منظومة متكاملة تشتمل مختلف جوانب حياته، وتهتم ببناء شخصيته المتوازنة، عقلياً ونفسياً ووجدانياً وسلوكياً، من خلال إسهامها في إثراء أفكاره ومشاعره، وتنمية لغته وخياله، وتعديل سلوكه، وتأصيل روح الإبداع لديه.
أما عن اعتبارات ثقافة الأطفال، فأهمّها: 
- الاعتبارات التربوية: ثقافة الأطفال مسألةٌ تربويةٌ في المقام الأول، وهي عملية تتمتّع بالشمول والاستمرارية.. لأنها تشمل نواحي الشخصية كافة، وتستمر خلال المرحلة العمرية للطفل، بل الحياة الإنسانية برمّتها. وتعني الاعتبارات التربوية - باختصار - تقديم المادَّة الثقافية، بما يتلاءم الخصائص السيكولوجية واللغوية والاجتماعية لشريحة الأطفال، وما يتناسب مداركهم وقدراتهم، ويُراعي الفروق بينهم.
- الاعتبارات اللغوية: تعني أن تكون اللغة - في العمل الثقافي للطفل - سليمةً وبسيطة وواضحة، ونابضة بالحيوية، وأن تخاطب وجدان الطفل، وتنفذ إلى قلبه بسهولة ويُسر. وقبل ذلك أن تتناسب (اللغة) مع مضمون العمل المقدَّم أولاً، ومع لغة الطفل - الموجّهة له - ثانياً. 
- الاعتبارات الفنيَّة: وهي أن تتّسمَ المادّة الثقافية بمستوى راقٍ، أسلوباً وإخراجاً، وأن تكون محاطةً بالتشويق، وقادرةً على إمتاع الطفل، وبثّ المرح في نفسه. يقول (عبدالتواب يوسف): "الثقافة يجب أن تكون كالغذاء الجيد والعصير اللذيذ، أي متعة.. سواءٌ كانت قطعة موسيقية، أو قصة جميلة، أو رواية رائعة. ولهذا تجمع الثقافة ما بين الآداب والفنون من جانب، والعلم والمعرفة من جانب آخر، ويظلُّ شرط المتعة قائماً باستمرار وإصرار".

الأسرة وثقافة الأطفال
كثيرةٌ هي المؤسسات التي ينهل منها الطفل ثقافته، أو التي تقوم برعايته ثقافياً، وأولها وأهمّها الأسرة، ثم المدرسة، فالرفاق، فوسائل الإعلام، والجمعيات والأندية الثقافية. وبالرغم من التطورات في مجالات التقانة ووسائل الاتصالات، والتي أثبتت أن العملية الثقافية لم تعد مقتصرةً على الأُسرة، أو المدرسة، وأنها أصبحت عمليّة تشاركيّة تتعاون فيها مؤسساتٌ تربوية وإعلامية عدّة، إلا أن الأسرة تظلُّ المعين الأول لثقافة الطفل، وتبقى التربية الثقافية إحدى أهم جوانب اهتمام الأسرة بالطفل. وهنا تلعب ثقافة الوالدين دوراً رئيساً في توجيهِ الطفل، وإكسابه الطرائق السليمة التي تضعه على الطريق الصحيح، في هذا المجال. والمعلوم أنه كلّما أبكر الوالدان في تثقيف أطفالهم، وعَمِلا على إثراءِ خبراتهم، كان استعدادهم للتعلّم والتثقّف أفضل وأيسر.. تكمُن البداية في غرس حبِّ القراءة في نفس الطفل، لأنها مسألة بالغة الأهمية لتكون الأبواب أمامهم مشرّعة نحو المعرفة والارتقاء الفكري.
ومن أهمِّ مهام الأُسرة لتنمية شخصية الطفل ثقافياً: أن يكون الكتابُ أهم الموجودات في محيطِ الأطفال، وأن يكون تواصلهم مع صحافتهم، ومسرحهم، ومع البرامج الثقافية الموجّهة لهم، مستمراً. ومن الضروريّ أيضاً المناقشة والحوار معهم، لتحقيق نتائج أفضل للوصُول إلى القنوات الثقافية المتاحة، وأُسلوب اختيارها. وفي إطار بناء ثقافة الطفل، يعدُّ أدب الأطفال الدعامة الأساسيَّة لذلك، بل أنه يتصدَّر القنوات التي تسهمُ بتزويده بالقيم والأفكار المرغوبة، وتتيح له فرص التعبير والمشاركة والإبداع، وتوفِّر له التسلية والمتعة.. وأدب الأطفال فرع أدبي حديث نسبياً، تتمثل فنونه في القصة والشعر والمسرحيّة والمقالة والرواية، ويتمتَّع بخصائص تختلف عن خصائص أدب الراشدين، إذ يُراعى في نتاجاته اعتبارات تربوية ونفسية وفنية عامةً وخاصة. والمؤكد أيضاً أنه كلّما كانت مادَّته غنيَّة بأهدافها وقِيمها، وجذّابة بأسلوبها وطريقتها، كانت أكثر بلوغاً لأهدافها وغاياتها.

مشكلات ثقافة الأطفال، وأبرز تحدياتها
من أهمِّ عوائق ثقافة الأطفال،‏ ومشكلاتها، في مجتمعاتنا، أنها لا تزال تعاني  - في الأعمِّ الأغلب - من انخفاض مستوى نوعية المنتج الثقافي، والأدبي، كمَّاً ونوعاً. وأن معظمَ الأشكال الثقافية المقدّمة للطفل، لا تزالُ ترزح تحت وطأة التنظير والتأديب، تكرِّس ثقافة الذاكرة، وتُغيِّب ثقافة الإبداع، وما زلنا - كآباء ومربين - نمارسُ الخطابية والإنشائية في أساليبنا الثقافية، و‏نعتمد التوجيه المباشر في معظم القنوات التي نتوجَّه بها لأطفالنا. من الأسباب الأخرى، وهي كثيرةٌ ومتعدّدة: أن المكتبة العربية لا تزال فقيرةً جداً بنتاجات فنون أدب الأطفال عموماً، وتعاني نقصاً كبيراً في كلّ ما يتعلّق بالطفولة. كما لا زالت تجاربنا في ميدان هذا الجنس الأدبي - الذي قطعت فيه الشعوب أشواطاً كبيرة - محدودة للغاية، حتى في إطار الترجمة.

تحتاج ثقافة الطفل إلى إدراك وإرادة واعية بأهمية اعتمادها كمشروع حضاري مستدام، تُجنى ثماره مستقبلاً، ذلك من خلال: تضافر جهود الأطراف المعنية بتثقيف الطفل، بما يرفع سويّة ما يقدَّم ويوجَّه له. ثم تنشيط المؤسسات المتخصِّصة بثقافة الأطفال، بهدف خلق حركة فاعلة على جميع الأصعدة، واعتماد معايير سليمة، تسعى لتطوير أدواتها ووسائلها، وترتقي بها باستمرار. إضافة إلى الحاجة إلى التوظيف الفعّال للتقنيات الحديثة، خدمةً لهذا المشروع، وتصميم برامج ثقافية وتربوية وتعليمية، تراعي بيئة الطفل، وقيم مجتمعه. كما ينبغي الاهتمام الحقيقي بأدب الأطفال بأنواعه، وتشجيع العمل في مضماره، وخلق الإرادات القادرة على اعتماده كمنهج أساس في العمل الثقافي عموماً، من خلال: تشجيع الأدباء والكتّاب العاملين في هذا الحقل، وتوفير حوافز معنوية ومادية تحثُّهم على التفرُّغ للكتابة. وتشجيع الدراسات النقدية الجادَّة، التي تشتغل وفقاً للمعايير التربوية والنفسية والفنية الحديثة لأدب الأطفال، وتقديم حوافز لأصحاب الأعمال المتميّزة منها، ودعم الأبحاث التي تتناول سيكولوجيا شخصية الطفل، بهدف إنتاج أدب يلائم خصوصية الطفولة، ويساير طبيعتها. والاستفادة من التجارب العالمية، والسعي للتعرُّف على الجديد من الدراسات والأعمال. وتشجيع الترجمة في مجال أدب الأطفال، واختيار نماذج ذات طابع جيد. واستغلال الأدب الشعبـي - كمصدر مهم لهذا النوع من الأدب - والاعتراف بدور التراث في ربط الطفل بثقافته، واستلهام الملائم منه بعد تنقيحه، وبثِّ الروح الجديدة فيه، والاهتمام بجوانبه الأُخرى غير الحكايات، كالأقاصيص، والأمثال، والأحاجي الشعبية، وغيرها. ودعم الإصدارات في حقل هذا الأدب، وتشجيع الدوريات الثقافيّة، لإصدار أعداد خاصة تتناول أدب الطفولة، أو ملحقات لها تتوجَّه للأطفال.. ذلك بما يحقّق خطواتٍ توصِلُنا لمستوى مناسب في هذا المجال، يُوازي أهميّة مرحلة الطفولة، ويُلبـِّي متطلباتها، على مختلف الأصعدة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق