الجمعة، 1 مايو، 2015

نحو نظرية تواصلية في التراث

هشام بنشاوي
المغرب
اختار الباحث المغربي (رشيد يحياوي) دراسة مسائل الكلام من جهة حقيقته ووظائفه ومقاصده في التراث العربي الإسلامي، بسبب الدور المتزايد للكلام في عصرنا، وتأصل الكلام في قيم الإنسان وماهيته، وقيام التراث العربي الإسلامي عليه، وافتقاره لما يبنيه بناء مناسبا لأصوله التي قام عليها، ولمقاصد القدماء ومقاصدنا منه.  ولما كان الكلام موضوعا مشتركا بين علوم مختلفة، وكان النظر إليه جائزا من الجهة التي تخص كل علم، يتأكد أن الوظيفة المركزية للكلام هي الوظيفة التواصلية، وذلك أن ما نعته (يحياوي) بالدور المتزايد للكلام في عصرنا، راجع أساسا لإعلاء دوره التواصلي، وكذلك الأمر بالنسبة لما سمي بتأصل الكلام في قيم الإنسان وماهيته. فالكلام ما عُدَّ من الضروريات
إلا لحاجة الإنسان للتواصل به مع بني نوعه، ثم إن التراث العربي الإسلامي، ما كان ليوجد لولا أن الكلام قام بدور في تواصل العرب والمسلمين مع بعضهم، ومع غيرهم.
إن الإنسان يستعمل وسائل مختلفة للتواصل، وقد تكون تلك الوسائل من جنس الكلام، وقد تكون من جنس غيره. ولما كان الإنسان بفعله التواصلي يسعى ليبلغ غيره، أو يطلب منه بلاغا وبلوغا، فقد اصطلح الباحث على عملية التواصل هذه بـ(التبالغ)، لأن التبالغ يدل على الاشتراك بين طرفين أو أطراف متبالغة. أما الوسائل التي يتم بها التبالغ بين المتبالغين، فهي  علامات يبين بها المتبالغون عن مقاصدهم، ويجوز أن تتراكب العلامات مع بعضها. كما لو قلنا إن الكتاب علامة تتضمن علامة الخط، أو علامة الرسم.
أما التبالغ الذي يتم بالكلام، فاصطلح عليه بالتبالغ الكلامي، ولما كان التبالغ قضية لها أصول ومبادئ، وكانت أصول وكيفيات التبالغ، ومبادئه، وآلاته، محل تداخل مع مسائل وقضايا أخرى، فقد اصطلح على القضية المتعلقة بالتبالغ بـ(المسألة التبالغية).
وقد اختار (رشيد يحياوي) أن يضع مصطلح تبالغ دون أخذ بما ماثله من المصطلحات السائدة بين أهل زمننا، لأسباب:
- إنه مرتبط من جهة الاشتقاق بمصطلح آخر، يعد من المصطلحات السائدة في التراث العربي الإسلامي، ونعني به مصطلح بلاغة.
- إن أهل التراث القدماء كانوا يعدون أنفسهم أصحاب بلاغة.
- إن المفهوم الذي وضعناه لمصطلح (تبالغ) احتوى مفهوم البلاغة، فأصبحت بمقتضاه مشمولة بفعل التبالغ. أما اختياره مصطلح (تواصل) في العنوان الفرعي، فكان من أجل تيسير فهم القصد من هذا الكتاب، في انتظار أن يطلع قارئه على ما قصده بالتبالغ.
ويتأسس على المفاهيم والتصورات، التي ولدتها علوم الكلام في التراث العربي الإسلامي، أن التبالغ لما كان فعلا اضطراريا، فكذلك كان التبالغ الكلامي. غير أن علامة الكلام تقدمت غيرها من علامات التبالغ في الأهمية، لمقوماتها الذاتية المتمثلة بصفة خاصة في الخفة وقبول التعبير والإبانة عما لا يتناهى من المعاني. ورغم التنافي والتنابذ والمنافرة بين بعض المفاهيم التبالغية في التراث، فإنه لم يكن بين القدماء خلاف يذكر حول الأصول التبالغية باعتبارها أصولا، بل كان خلافهم حول فروع تلك الأصول، أو في كيفيات عملها، أو في طرق الاستدلال عليها.
فالخلاف حدث حول كيفية التكلم في التكلم الإلهي، بسبب المقصد التدييني الذي وصل خلافهم في إعماله لحد الاختلاف في ماهية الكلام ذاته، هل هو الأصوات المتميزة المنتظمة الدالة، أم معانيها القائمة في النفس؟ لكن رجوعهم للكلام في الشاهد جعلهم يقرون بماهية الأداة في الكلام، ويتفقون حول كون هذه الأداة لها مهام وأغراض ومقاصد. إذ لم يكن منهم من أنكر أن يكون للكلام مقاصد، لكنهم اختلفوا بعد ذلك في تلك المقاصد بين الكيف والإعمال.
ويجزم الباحث المغربي أنه من بين مجموع المفاهيم التي أنتجها القدماء حول التبالغ، بشقيه: الكلامي وغير الكلامي، والكلامي بشقيه أيضا: البليغ وغير البليغ، تناسقا ترد إليه أصول التبالغ، وفروعه، مما يُجوِّز القول ببناء نظرية تبالغية في التراث. واقترح في هذا الإطار إعادة تنظيم تلك المفاهيم في ثلاثة رئيسة، تمثل ثلاثية مبدئية للتبالغ، وهي: التسييق، والتمقيم، والتقصيد. وميزنا ذلك بإعمال هذه المفاهيم في الأفعال التبالغية إجمالا، سواء أثناء جريان الفعل التبالغي، أو بعد انتهائه، كما لو عاد في مرحلة لاحقة لذلك الفعل مجسدا في علامة تبالغية شاهدة عليه. وفي هذه الحالة نكون أمام تمفصل مزدوج لهذه الثلاثية. فتلك العلامة تدخل أولا في فعل تبالغي حاضر، ينطبق عليه التسييق والتمقيم والتقصيد ،كلا أو جزءا، حالَ فعل التبالغ. وثانيا: قد نرجع بالعلامة المعينة إلى أصلها في الزمان والمكان، فنحاول فهمها، بأن نرجعها لسياقها ومقامها ومقاصدها الأصلية، أي أننا نقوم أيضا بإعادة تسييقها وتمقيمها وتقصيدها.
ويرى (يحياوي) أن نشأة علوم الكلام في التراث كانت استجابة لمقتضيات جمعية، معرفية، وحاجية يومية، وجمالية، فتضافرت  في تحقيق المقاصد من الكلام. ولما كان من تلك المقاصد ما يتعدى مقاصد الأفراد إلى مقاصد الجماعة، وضع القدماء في العلوم مفاهيم وتصورات كلية، عكست أنظارهم لمقاصدهم من الكلام. وانتمت تلك المقاصد الكبرى لمقام تبالغي أكبر وأشمل من مثيله الجزئي، المرتد لأوضاع مادية متحققة في المكان والزمان المحددين. ففي المقام التبالغي الكلي، تجادلت المقاصد التراثية الرئيسة من الكلام. ولما كان طلب تلك المقاصد غير محصور في حقبة بعينها من حقب التراث، فقد تواصل العمل على تحقيقها بين مختلف الأجيال والحقب.
وبتحويله الكلام إلى مسألة دينية، صاغ علم الكلام المسائل والقضايا التي استجابت لما سمي بالمقصد التدييني. لكن علم الكلام، وبمقارنته بين الشاهد والغائب، عرض أيضا قضايا تتعلق بالتبالغ البشري. وإذا كان الأشاعرة دينّوا الدلالة دون المدلول، بقولهم بخلق الله لها دونه، وكان المعتزلة دينوا الدلالة والمدلول، بقولهم بخلق الله لهما معا، فإن أهل السلف السني، وبقولهم إن القرآن صفة من صفات الله قائمة به، دينوا الكلام العربي. إذ إن القرآن لما كان عندهم صفة من صفات الله تعالى، وكان القرآن كلاما عربيا، كان الكلام العربي - تبعا لتفسيرهم- صفة من صفات الله قائمة به، وهي قديمة به غير بائنة عنه. ثم التقوا مع الأشاعرة في تديين الكلام البشري أيضا. إذاً إن الأشاعرة بقولهم إن الفاعل الحقيقي لكلامنا هو الله، دينّوا كلام البشر، كما أن أهل السلف السني بتفسيرهم النقلي لبعض آيات القرآن الكريم، أخرجوا الكلام من فعل خلق الإنسان، واصطلاحه، وتواطؤه، وتواضعه عليه، إلى خلق الله له وتوقيفه على الإنسان. فكان في قولهم بالتوقيف، قول بالتديين.
لكن الكلام - حسب (رشيد يحياوي)-  خاصية بشرية أيضا، إذ لم يكن كلاما لأن المتكلم به عربي أو عجمي، بل لأنه إنسان قبل كل شيء. ولأنه كذلك، احتاج لقوانين تنظم معقوليته حتى يحقق الصواب، بناء على أسس وقواعد مشتركة بين الألسن، تنصرف بصفة خاصة لضبط آليات الفكر في علاقته بالكلام، وعلاقة الكلام بالواقع. وهذا الاتجاه اهتم بالكيفيات العقلية التي يتكلم بها المتكلم. وقد أرجع المعارف التي نحت هذا النحو إلى ما سماه بالمقصد التعقيلي، المتمثل بصفة خاصة في المنزع المنطقي التراثي المتأثر بـ(أرسطو).
ويخلص (رشيد يحياوي) إلى  أن مقومات الكلام متعلقة ببعضها، وأننا بقدر اعتبارنا لها مقومات للكلام، نعتبرها أيضا من أصول التبالغ به، لأنها متعلقة بأصل آخر، هو التكلم. فليقوم التبالغ الكلامي، لا بد من كلام. ولا بد للكلام من وحدات وأقسام، تؤلف تأليفا مخصوصا، يراعي المقاصد، ومقام التبالغ. ولا بد لكل ذلك من تكلم. ويتحول التكلم إلى تكالم، حين يولد رد فعل مماثل عند المخاطب. وسواء أتحول التكلم إلى تكالم، أم لم يتحول إليه، فإن جنسه البعيد هو التبالغ، وجنسه القريب هو التبالغ الكلامي. فالأصل في التكلم والتكليم أن يتحول إلى تكالم، وإن لم يتحول إليه . وليس من شروط التبالغ أن يكون فعل المخاطَب في التكالم، مزامنا لفعل المتكلم في التكلم، وإنما يحصل التبالغ الكلامي كلما ترتب عليه رد فعل، سواء أتم ذلك لحظة فعل الكلام من طرف المتكلم، أم تأخر عنها. وسواء أيضا أكان المقصد الذي يؤشر على تحقق التبالغ من مقاصد المتكلم، أم من مقاصد الكلام، أم من مقاصد المخاطب.
ويعد الكلام أصلا مشتركا بين هذه الأطراف، مفعولا بها، فاعلا فيها، بوجه من الوجوه. وإنما كان فاعلا فيها، لأنه يحدث فيها أثرا. أما أنه مفعول بها، فمن جهة المتكلم، لأنه خالقه بفعل تكلمه، ومن جهة المخاطَب، لأنه خالقه بالتلقي الفاعل، أو بالتكلم إذا ولد فيه الكلام رد فعل كلامي، أو بحمله المتكلمَ على مراعاة أحواله ومتعلقاته. والكلام مفعول أيضا بالمقام من جهة تأثيره في مقاصده، وفي أحواله، وما يتعلق به.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق