الجمعة، 1 مايو، 2015

التخلف الاقتصادي بين إشكالية تدهور قوى الإنتاج وانحطاط التركيب الفوقي

د. أمين محمد سعيد الأدريسي
أستاذ كلية الإدارة والاقتصاد/ جامعة صلاح الدين 
و
صلاح الدين أحمد محمد
طالب دكتوراه
في دراسات التخلف الاقتصادي يتم التركيز عادة على إجراء مقارنة بين محورين هامين لتسليط الضوء على ماهية التخلف الاقتصادي، وأهم مؤشراته:
المحور الأول
 إجراء مقارنة بين مجموعتين دوليتين: المجموعة الأولى تمثل الدول المتقدمة، والأخرى تمثل الدول المتخلفة. تمثل المجموعة الأولى دول أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية وأستراليا، أما المجموعة الثانية، فتمثل الدول المتخلفة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
المحور الثاني:
شمول المقارنة لما تشكله كل مجموعة دولية من وزن نسبـي في السكان، والدخل على المستوى العالمي. إذ تشير إحدى الدراسات إلى أنه في أعقاب الحرب العالمية الثانية كان (18%) من سكان العالم يحصلون على (67%) من الدخل العالمي، وهم سكان أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية وأستراليا، هذا في الوقت الذي كان فيه (67%) من سكان العالم يؤول إليهم (15%) من الدخل العالمي(1).
وعند متابعة ما استجد من دراسات في الموضوع نفسه، تبين أن الدراسات الأحدث (حسب إحصاءات عام 1995) تشير إلى أنه ما بين (16%- 20%) من سكان العالم أي بحدود (18%) تمكنوا من الحصول على
(85%) من الدخل العالمي(2)، أي أنهم تجاوزوا ما كانوا يحصلون عليه من الدخل العالمي في الدراسة السابقة، التي تفصلها عن الدراسة الحالية (46) سنة تقريبا بـ(18%). وهذا في حد ذاته مؤشر خطير يدل على تزايد عمق هذه الظاهرة سنة بعد أخرى.
لقد ركزت كتابات التخلف الاقتصادي على متوسط دخل الفرد الحقيقي، واعتبرته معياراً يميز الدول المتخلفة عن المتقدمة، وأضافت إليه معايير أخرى تتعلق بنصيب الفرد من السعرات الحرارية والبروتين، ونسبة الأطباء إلى السكان، والعمر المتوقع للحياة، إلى غير ذلك من معايير تعكس معايير صالحة لتمييز الدول المتقدمة عن المتخلفة.
إلا أن جملة ما تم إيراده يصلح أن يكون مقاييس يستفاد منها للتمييز بين الدول المتقدمة والمتخلفة، لكنه لا يقدم تعريفاً شاملاً لهذه الدول. هذا من جهة، ومن جهة أخرى قد يثار تساؤل مشروع: هل الدول المتخلفة هي الدول الفقيرة نفسها، حتى نقترب من تحديد تعريف مقبول للدول المتخلفة؟ ثم هل إنّ كل دولة غنية بالضرورة تكون دولة متقدمة؟
وللإجابة عن هذه التساؤلات نبين الآتي:
1- الفرق بين الفقر والتخلف في الفكر الاقتصادي الإسلامي:
يرى الفكر الاقتصادي الإسلامي أن مفهوم الفقر يدور حول "عدم القدرة على الحصول على الاحتياجات الضرورية، لعدم توافر أسباب العيش الكريم الرغد، وهو ما يعني العوز والتعرض للجوع والحرمان والإملاق"(3).
ومن ثم فجهود التنمية وعمارة الأرض في الإسلام تهدف إلى رفع مستوى المعيشة وتحسينه بانتظام، بما يكفل توفير حد الكفاية لجميع الأفراد، أي إغناء كل فرد بحيث يكون قادراً على الإنفاق على نفسه، وعلى من يعول، وذلك تمييزاً له من حد الكفاف، الذي يعد الحد الأدنى للمعيشة. ولا يقتصر توفير حد الكفاية على ضرورات الحياة اليومية، من مأكل ومشرب وملبس ومسكن، بل يمتد إلى ما يلزم لتهيئة حياة كريمة للفرد، مثل: توفير الرعاية الطبية، والتعليم الأساسي، وسبل الزواج، أي كل ما يجعل الفرد يلحق بالمستوى المعيشي السائد في المجتمع(4).
أما المفهوم الإسلامي للتخلف الاقتصادي، فإنه يختلف عن مفهوم الفقر،
فإن الناظر في القرآن الكريم والسنة النبوية يدرك أن الإسلام ينظر إلى التخلف على أنه تراخ عن العمل والسعي في طلب الرزق وعمارة الأرض بشكل فاعل، فإن الله تعالى قد أعطى للإنسان العديد من الثروات والنعم التي لا تحصى، وطالبه بعمارة الأرض بقوله تعالى: [هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا](5)، وإن الإسلام يساعد الفقراء من مال الصدقة، ولا يساعد المتخلفين أو القاعدين عن العمل بغير عذر.
وحديث الرسول (ص) مع الرجل الذي يريد مسألة، وباع له الرسول (ص) ما يملكه في بيته عن طريق المزاد، وقال له: اذهب واحطب وبع، ولا أرينك إلا بعد خمسة عشر يوماً، لهو دليل على مقت الرسول للقاعدين والمتخلفين.
وهكذا فرق الإسلام بين الفقر والتخلف، واعتبر الفقير له معلوم في الزكاة وموارد بيت المال. أما المتخلف عن ركب المتقدم فقد وبّخهُ، وتوعده إذا سأل، وهو قادر على الكسب، وعمارة الأرض.
وعلى هذا، فإن هناك ثلاثة معايير يمكن النظر إليها على أنها تفرقة بين الدول المتخلفة والدول المتقدمة، وذلك في المفهوم الإسلامي(6):
أ. وجود الموارد الطبيعية الملائمة.
ب. وجود الجهد البشري الفعال، الذي يتعامل مع تلك الموارد، أو يحيلها إلى منتجات نافعة.
ج. وجود القيم التي تضمن بصفة مستمرة تفاعل الجهد البشري مع الموارد، ومن ثم دوام عملية الإشباع المتزايد للحاجات.
إذا تواجدت تلك العناصر المجتمعة يعتبر المجتمع مجتمعاً متقدماً، وإذا تخلف فيه عنصر من العناصر السابقة، فقد المجتمع طيب الحياة. فإذا خلا من الموارد الطبيعية المناسبة، فعليه أن يبذل قصارى جهده في تعويضها، وإلاّ كان فقيراً وليس متخلفاً ما دامت بقية العناصر قائمة.
وإذا فقد الجهد البشري في عمليات الإنتاج، مع توافر الموارد، فإنه في تلك الحالة يعتبر متخلفاً، ففي إمكانه التقدم ولم يفعله. وإذا فقد مجموعة القيم الصالحة، التي تضمن دوام التلاحم، ونمو الإنتاج، وعدالة توزيعه، فإنّ ضخامة إنتاجه الاقتصادي لن تستمر طويلاً، وإذا كان متقدماً فهو تقدم وقتي سرعان ما يزول.
يقول تعالى: [وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ](7). أي أن الإسلام ربط المشكلة بالإنسان، وبما هو عليه من القيم، أي ربط المشكلة بجذورها الثقافية والاجتماعية العميقة، مع عدم تجاهل عنصر المال، ولا عنصر النشاط الاقتصادي للإنسان، أي العنصر المالي للتقدم.
2- الدول الغنية والدول المتقدمة:
إن التحليل ذو الأبعاد الثلاثة، التي صاغها مفكرو المدرسة الاقتصادية الإسلامية، لتبيان الدول الفقيرة، والدول المتخلفة، ضروري جداً لإحكام الربط مع مفهومي الغنى والتقدم، اللذين يتجسدان على أرض الواقع بالدول الغنية، والدول المتقدمة. فبعض الدول قد تكون غنية جداً، ولكن لا يمكن أن نسميها دولاً متقدمة، فهي تمتلك من الموارد الطبيعية، أو إحداها، بشكل يفوق أعداد سكانها بكثير، وقد تعتمد على الامتيازات، أو عقود المشاركة، أو عقود الخدمة، لاستخراج ثرواتها، وينعكس هذا بارتفاع الدخل القومي فيها، وارتفاع متوسط دخل الفرد الحقيقي(8)، إلا أن كل هذا لا يعتقها من أسار التخلف الاقتصادي، كونها قد عجزت من استثمار ثرواتها الوطنية بإمكاناتها البشرية.
3- مفهوم التخلف الاقتصادي:
لقد تناولت العديد من آراء مفكري التنمية الاقتصادية السالفة، عدة تعريفات للتخلف الاقتصادي، منها:
أ. الدول المتخلفة هي الدول المتسمة بانخفاض متوسط دخل الفرد الحقيقي(9)* وذلك على اعتبار أنه الفيصل الممكن قياسه لتمييز التخلف عن التقدم، وبالتالي تمييز الدول المتخلفة عن الدول المتقدمة. ولقد تم بيان أحد أوجه النقد لهذا المفهوم للتخلف الاقتصادي، لكونه يصلح معياراً أو مقياساً للتخلف الاقتصادي، وليس مفهوماً له. هذا فضلاً عن كونه يعكس منظوراً للتخلف الاقتصادي ذا بعد واحد، بينما التخلف الاقتصادي يعد مفهوماً ذا أبعاد متعددة(10)، إذ إن هناك أبعاداً متعددة للتخلف الاقتصادي، تتعلق بمستوى التعليم، والرعاية الصحية، والسعرات الحرارية التي يحصل عليها الفرد...الخ(11). ومن هنا نرى قصور تعريف التخلف الاقتصادي بالركون إلى متوسط دخل الفرد الحقيقي، كما أن هذا التعريف للتخلف الاقتصادي تكتنفه العديد من الانتقادات، منها على سبيل المثال، لا الحصر(12):
1/ لا تتضمن حسابات الدخل القومي خدمات ربات البيوت، في حين أنها ذات قيمة كبيرة في الدول النامية.
2/ لا تتضمن حسابات الدخل القومي الانتاج المستهلك ذاتياً، والذي نراه ماثلاً بقوة في اقتصادات الدول النامية.
3/ لا يتضمن متوسط دخل الفرد الحقيقي ما يعكس نمط توزيع الدخل القومي، وبالتالي لا يعبر عن الرفاهية الاقتصادية.  
ورغم استبعاد متوسط دخل الفرد الحقيقي كتعريف للتخلف الاقتصادي، إلا أن هذا لا يستبعد كونه معياراً هاماً للتخلف الاقتصادي. فضلاً عن هذا، فقد وجد أن الدولة التي ينخفض فيها هذا المعيار، تنخفض فيها مؤشرات التعليم والصحة والسعرات الحرارية، وتوقع الحياة، ونصيب الفرد من المنسوجات، ونصيب الفرد من البروتين...إلخ. ويبدو أنّ متوسط دخل الفرد الحقيقي، وهذه المؤشرات، يصلح كل منهما أن يكون سبباً ونتيجة للآخر في الوقت نفسه.
ب. الدول المتخلفة هي الدول المتسمة بتخلف قوى الإنتاج فيها، باعتبار أن الدخل القومي ينخفض، أو يرتفع، تبعاً لانخفاض أو ارتفاع حجم السلع والخدمات المنتجة. ولا يحصل هذا الانخفاض في حجم السلع والخدمات، إلاّ بتخلف قوى الانتاج المادية والبشرية(13). فالنمو الاقتصادي، منظوراً إليه من هذه الزاوية، ليس إلاّ تطور مجتمع معين عن طريق الخلق والتطور لوسائل انتاجية جديدة، من شأنها رفع مستويات الإنتاج السائدة، من خلال تطور التنظيم والطاقات والمهارات البشرية(14).
ج. الدول المتخلفة هي الدول التي تعيش في ظل أسلوب إنتاجي متخلف، وتركيب فوقي من العلاقات والمؤسسات الاجتماعية والثقافية...إلخ، التي تتلاءم وهذا الأسلوب الإنتاجي المتخلف(15).
ويلاحظ أن التحليل الماركسي لتطور المجتمعات البشرية، ينسجم مع مقولة النظر إلى التخلف الاقتصادي في إطار متكامل، لا يستبعد فيه دور القوى والمؤسسات الاجتماعية، أو السياسية، والعادات، والتقاليد، والقيم، والاتجاهات السائدة(16)، على خلاف نظريات التنمية الرأسمالية، التي ركزت على التراكم الرأسمالي، ودوره في توليد الدخل، كتحليل هارد - دومار الذائع الصيت للنمو الثابت المتصاعد(17). إلا أنه يلاحظ أن الاتجاه الحديث لنظرية التنمية الاقتصادية، يبرز حقيقة أنّ كبار هؤلاء المفكرين أخذوا يدركون أن اختلال منظومة القيم الاجتماعية والثقافية والسياسية، بالشكل الذي تفشل فيه من تحرير المجتمع من قوى الجهل والظلام، من شأنها إعاقة قوى الانتاج المادية والبشرية من أداء دورها في حركة الإنتاج(18).
-------
الهوامش
(1) ماير، جيرالد وبولدوين، روبرت، التنمية الاقتصادية (نظريتها، تاريخها، سياستها)، ترجمة د. يوسف عبدالله صائغ، مكتبة لبنان، بيروت، 1964، ص30.
(2) تودارو، ميشيل، التنمية الاقتصادية، ترجمة د. محمود حسن حسيني، دار المريخ، المملكة العربية السعودية، 2006، ص33.
(3) عبدالعظيم، د. حمدي، فقر الشعوب بين الاقتصاد الوصفي والاقتصاد الإسلامي، دار الفكر العربي، القاهرة، 2000، ص20.
(4) محمد، مصطفى محمود، الفقر والتخلف الاقتصادي، ص20.
www.annaba.org/nabahome/nba82/R-htm.
(5) سورة هود: 61.
(6) محمد، مصطفى محمود، الفقر والتخلف الاقتصادي.
www.annaba.org/nabahome/nba82/R-htm.
(7) سورة النحل: 112
(8) محي الدين، د. عمرو، التخلف والتنمية، دار النهضة العربية، القاهرة، 1983، ص34.
(9) ماير، جيرالد وبولدوين، روبرت، مصدر سابق، ص23.
*رغم إيراد المؤلف هذا التعريف للدول المتخلفة، إلا أنه يفضل التأكيد على استعمال مفهوم الدخل القومي الحقيقي، بدل متوسط دخل الفرد الحقيقي، ويورد لهذا تعليلات متعددة، أبرزها: أنه لو حققت دولة (أ) ارتفاعاً في الدخل القومي لمدى أربعة أضعاف، في حين حققت دولة (ب) ارتفاعاً بمقدار ضعفين، ولكن السكان تزايدوا، بحيث أن الدخل الفردي لم يرتفع في أي من الدولتين، لاضطررنا إلى القول إنّ أيّاً من الدولتين لم تتقدم في مجرى التنمية، بموجب الموقف القائم على اعتبار نمو الدخل الفردي مقياساً للتنمية. ويكون من الواضح عندئذ أننا نظلم الدولة (أ) في عدم إظهار مدى سبقها للدولة (ب) في عملية التنمية. للمزيد انظر: ماير، جيرالد وبولدوين، روبرت، مصدر سابق، ص23-24.
(10) Singh, D.Bright, conomics of Development, Asia Publishing Housm london, 1966, p.5.
(11) العادلي، عادل مجيد عيدان، الدول النامية والفهم العلمي لإشكالية التخلف، مجلة العلوم النفسية، عدد 15، سنة 2009، ص9.
(12) محي الدين، د. عمرو، مصدر سابق، ص ص34-43.
(13) المصدر السابق، ص47.
(14) Singh, D.Brigjt, Op. Cit. P.10.
(15) محي الدين، د. عمرو، مصدر سابق، ص50.
(16)  لانكة، أوسكار، الاقتصاد السياسي، ترجمة د. محمد سلمان حسن، دار الطليعة، بيروت، ص ص7-15.
(17)  تودارو، مسشيل، مصدر سابق، ص ص126-127.
(18) المصدر السابق، ص59.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق