الجمعة، 1 مايو، 2015

الشيخ حقي التركماني.. سيرة عالم

الشيخ فائق نامق
كثيرون هم القدوات، والمصلحون، والعلماء، الذين بهم استقرت المجتمعات، وتقدمت الأمم، وواصلت الإنسانية مسيرتها بسلام، لأوقات كثيرة، ومراحل عديدة.      
(الشيخ ملا حقي علي غني) – لا نزكيه على الله - من أولئك الأبرار، والعلماء الأخيار، ومنارات الهدى، الذين ذاع صيتهم في الأنحاء.
التقيت بالشيخ الجليل لأول مرة في (كركوك)، عام 1967، بدعوة من زميل لي في العمل، أدينا خطبة وصلاة الجمعة خلفه بالجامع الكبير، حيث عرفته عالماً مجتهداً وفقيهاً متبحراً، وداعية له نشاط وحركة لا يكل ولا يمل.
وأصبحت أتردد على الشيخ وأصلي خلفه ما سنحت الفرصة، لأني كنت أقطن محلة (المصلى)، وهي بعيدة 
نسبياً عن الجامع الكبير.
كان الجامع دائم الاكتضاض بالمصلين في أوقات الصوات الخمسة، خصوصاً أيام الجمع، فقد كان الشيخ (حقي) يعتلي المنبر، ويخطب في الحضور، ويؤمهم، ثم ما أن يفرغ من الصلاة حتى يصافح المجتمعين حوله، مبادراً بالسؤال عن أحوالهم.
وهذا العلامة المتبحر، والداعية المتبصر، ولد سنة 1932 في (محلة المصلى) بكركوك، ولما بلغ عهد الصبا لم يستطع اللحاق بالمدرسة، بسبب سوء حالته المادية، وكان والده يملك محلاً للحلاقة في السوق الكبير، وكان يعمل أحياناً عامل بناء، لكي يستطيع إعالة عائلته، وكان أولاده يعملون أيضاً لمساعدة والدهم، وفي السادسة عشرة من عمره بدأ بختم القرآن الكريم.
الشيخ ملا حقي علي غني
وفي سنة 1949م انتقل إلى (بغداد)، وبدأ بدراسة فنون القراءات، وأصول التجويد، وبدأ بحفظ القرآن الكريم على المقرئ الحافظ (الشيخ ياسين) في (جامع المرادية)، ولكنه استمر بالعمل لكسب رزقه، ثم درس قواعد التلاوة وعلم التجويد وفنون القراءات السبع، وحفظ القرآن الكريم سنة 1954، على العلامة الشيخ (عبد القادر الخطيب) إمام وخطيب ومدرس جامع الإمام الأعظم، ونال على يديه الإجازة.
وبعد نيله الإجازة عاد إلى (كركوك)، وراجع حفظ القرآن الكريم مرتين على الحافظ (ملا حسون)، سنة 1955، ودرس علم الحديث على العالم الشيخ (الملا حسيب محمود الحكيم).
وللشيخ (حقي) صوت رخيم، ونبرة خاصة، وعذوبة تثير في النفس الخشوع.
درس الفقه وعلم الحديث على الشيخ (محمد سه رسيبى)، ثم درس أصول التلاوة والفقه على الشيخ الملا (مجيد عريان) في (جامع النعمان)، ودرس العلوم العقلية والنقلية على العلامة الكبير الشيخ (عبد المجيد القطب)، ونال منه الإجازة العلمية.
عين خطيباً في (جامع الملا عثمان)، وإماما في (مسجد عمر قيرفدار)، ثم إماماً في (جامع الحاج قادر عللو)، ثم إماماً في (جامع بولاق) في (محلة جقور).
وفي سنة 1980نقل إلى (جامع اليرموك) إماماً وخطيباً، حتى سنة 1997م، حيث أحيل على التقاعد.
كان الشيخ (حقي) يدرس قواعد التلاوة والتجويد في المدرسة الدينية، ويدرس في الجامع فنون القراءات والتجويد وحفظ القرآن الكريم، وقد تخرج على يديه عدد غير قليل من طلاب العلم.
اختير العلامة الشيخ (حقي) عضواً في المجلس العلمي التابع للأوقاف، وعضواً في مجلس الفتوى في مدينة كركوك.
كان مجلسه عامراً بالضيوف والعلماء وبرجالات المدينة والعامة ولم يكن يبخل على محبيه، ومن مختلف المكونات والطبقات.
كان الشيخ (حقي) من محدثي إذاعة الجمهورية العراقية القسم التركماني، ومن محدثي تلفزيون كركوك القسم التركماني منذ افتتاحه سنة 1967.
وفي 2005 قامت إدارة ثانوية (النعمان بن ثابت) الإسلامية، بالتعاون مع علماء كركوك وأساتذة المدارس الإسلامية، حفلاً تكريمياً للعلامة (الشيخ حقي) في قاعة (جامع طارق بن زياد)، لجهوده المباركة ودوره الكبير في خدمة العلم والعلماء في كركوك.

وفي عصر يوم الأربعاء الموافق 13/6/2012 وافت (الشيخ ملا حقي) المنية بعد مرض عضال ألم به. وشيعت جنازته من داره الواقعة في (حي العلماء) بـ(كركوك)، إلى (مقبرة المصلى)، وأقيمت صلاة الجنازة على روحه الطاهرة في حديقة الشهيد (نجدت قوجاق) في (المصلى)، وشارك في تشيعه عدد كبير من الشخصيات السياسية والدينية والاجتماعية وجموع غفيرة من أهالي كركوك.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق