الجمعة، 1 مايو، 2015

ثريد المتنبـي.. وملح سيف الدولة

المتنبـي
د. أحمد جار الله
كرست قصائد مديح الساسة في التاريخ الشعري القديم ثقافة (الاستجداء) المادي والتسول المعنوي، ومد اليد إلى السياسي ليبارك المنجز الشعري بعطائه المادي، أو إصغائه البارد للقصيدة، أو تصفيقه المجامل لشاعرها، حتى غدا ذلك (نسقاً ثقافياً) لا يمكن تجاوزه في الأعراف الأدبية السائدة، من أجل اكتمال العملية الشعرية، التي تنهض وفق هذا (النسق المهيمن) على المحاور الآتية: مرسل متسول (الشاعر)، يرسل القصيدة (الرسالة/الوسيلة الثقافية للتسول)، إلى مرسل إليه (السياسي)، الذي يبدو بمشاركته عبر الفعاليات السابقة وكأنه يكمل تلك العملية، التي تبدو من جانب الشاعر ناقصة إن لم تنل (مباركة) السياسي ومشاركته، علماً أن هذا الطرف
الأخير لا شأن له أبداً بأي من جوانب العملية الإبداعية التي أنتجت القصيدة ما بين تجربة الشاعر ومشاعره وورقة النص.. ولم يكن السياسي سوى صنف من أصناف المتلقين للشعر، ممن يأتون متأخرين إلى تلقي النص..
اليوم تقلصت مساحة المديح.. بل تكاد تغيب تماماً عن المشهد الشعري العربي الحداثي، وما  بعد الحداثي.. لكن ثقافة (الاستجداء) الماضية لا يزال صداها يتردد في فضاء ذلك المشهد، على الرغم من ادعائه تبني الحداثة الشعرية.. فما زلنا نقيم المهرجانات الشعرية، ولا نفتتحها إلا بحضور الطرف الثالث (المتلقي السياسي).. وما زلنا ندعوه لحضور جلساتنا الأدبية، ونؤكد على حضوره ببطاقة دعوة خاصة، ولافتة ترحب به مسبقاً، ونهتم به أكثر من اهتمامنا بالمتلقي المستقل، المسكين، المتواضع الذي قد يأتي من  غير دعوة، أو توسل به، كما قد نفعل مع المتلقي السياسي.. وما زلنا نحزن إن لم يحضر هذا الأخير.. ونغضب.. ونشعر بإحباط، وبأن ثمة نقصاً قد نال قصائدنا.. بل نتصور أننا قد فشلنا في مشاريعنا الأدبية، إن لم يمد إلينا يد العون، ولو بزيارة قصيرة إلى محاضراتنا الثقافية، أو مهرجاناتنا الشعرية ..
كان الشعراء في الماضي البعيد هم من يذهبون بدلال إلى مجلس السياسي لقراءة قصائدهم، التي غالباً ما تكون مديحاً لمستضيفهم.. ويخرجون من خيمته، أو قصره، برفقة الدنانير والدراهم.. أما اليوم، فالشاعر هو من يوجه الدعوة إلى المتلقي السياسي، وينتظر حضوره، قلقاً من غيابه.. وعادة لا يأتي هذا المتلقي.. ومع ذلك نصّر على انتظاره المجاني.. ونكرر دعوته.. ونوجه إليه رسائل عتب شفافة على غيابه.. حتى نصل إلى تلك الدرجة التي تماثل ثقافة الاستجداء القديمة، التي تتغيا التواصل مع المتلقي السياسي.. مع أن الأمر غير ملزم مطلقاً.. لأن لكل من الشاعر والسياسي مشروعه الخاص.. وكل منهما يمكن أن يكتمل لوحده، ويعيش بعيداً عن الآخر.. من دون أن يفشل.. أو يشعر بالنقص..
فأية حداثة هذه التي نزعم تبنيها في قصائدنا، ونحن من الجاهليين في ثقافة ترويج مشاريعنا الأدبية، التي نحسب أنها تتعثر إن لم تتوكأ على كتف المتلقي السياسي؟!
وأية حداثة هذه التي ننحت في ظلها صور القصيدة من الحجر الكريم لثقافتنا الغنية.. ثم نكسر تلك الصور إحباطاً، إن لم يلتقطها المتلقي لانشغاله بمشروعه السياسي.. وذلك أمر لا يحتم عليه مسؤولية الالتفات إلى النشاطات الأدبية، لأنها - في الأصل - قائمة بذاتها، وبفنونها، ومكتملة بإبداعاتها.. ولا شأن للسياسة مطلقاً بتحقيق ذلك الاكتمال.. مثلما لا شأن للقصيدة، بوصفها: فناً، وبناءً جمالياً، وانفعالياً، بأية مؤسسة سياسية، بوصفها إدارة عقلانية، وأساليب دبلوماسية، بعيدة عن الانفعال والوجدان.. والحبيب الأول.. والخيل والليل؟!
فإن التفت السياسي إلى تلك النشاطات الأدبية - وذلك من حقه -، فمن جهة كونه متلقياً بصفته الإنسانية العادية، التي قد تتذوق الأدب.. وليس بصفته السياسية الخاصة.. والصفة الأولى هي التي يشترك فيها مع جمهور المتلقين على اختلاف أصنافهم، وليس ملزماً باستحضار صفته الثانية، بناء على توقعات الأدباء، ممن ما زالوا يصرون على ضرورة إقامة العلاقة على طريقة (المتنبـي وسيف الدولة) بين الشاعر والمتلقي السياسي.. فقصائدنا طعمها جميل جداً.. وليست بحاجة إلى ملح السياسي، أو مطبخه، أو ثريده..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق