الجمعة، 1 مايو، 2015

داعش.. الآيديولوجيا والنشأة (الجزء الثاني)

د. سعيد سليمان
المقدمة
إنّ منهج وفكرة الاعتدال والوسطية، الذي يؤمن بالإسلام كدين عالمي، مبني على عقيدة التوحيد، وقائم على أسس ومبادىء العدل والمساواة والحرية والشورى وتكريم الإنسان، ويأخذ الإسلام من مصدريه الأساسيين: القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، ووفق فهم أصولي مُحكَم بعيد عن الأهواء، وعلى طريقة الصحابة (رضوان الله عليهم)، وخاصة الخلفاء الراشدين (رضوان الله عليهم)، وعلماء الأمة الأعلام، بعيداً عن الغلو والتطرف والتشدد، وهو يختلف كثيرا، وفي مسائل كثيرة، عن النهج التكفيري المتشدد.
وأدناه بعض المسائل، التي يختلف فيها أصحاب الفهم الوسطي المعتدل، عن أصحاب فكرة الغلو والتطرف والتشدد والتكفير، علماً بأن هؤلاء لا يمثلون السواد الأعظم من المسلمين، بل هم جماعات وفِرق تظهر وتختفي، وفق معطيات وظروف معينة، مع بيان الموقف
من مبادئ وأفكار وتصرفات الجماعات المتشددة التكفيرية، ونبيِّن ذلك في محورين:
المحور الأول
 مخالفة هذه الجماعات لبعض أساسيات الإسلام ومبادئه ومقاصده، ومنها:
1ـ مبدأ لا إكراه في الدين:
أقرّ الإسلام حرية المعتقد، وحرية التفكير، واعتبر أنه من غير الممكن أصلاً، طالما أن الإنسان يملك ذاته، وأن الحياة الداخلية له لا يمكن أن يتحكّم فيها إلا صاحبها، فإن الإكراه غير ممكن. وبالتالي، فإن حرية المعتقد هي حكم وجودي، والدين يقرُّ بكل ما هو وجودي، وبكل ما هو فطري، ومن الطبيعي أن يقرَّ بحرية المعتقد.. قال تعالى: [لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] البقرة: 256، ولفظ (الإكراه) نكرةٌ واقعٌ في حيز النفي، يشمل جميع الحالات. ثم إن الله سبحانه وتعالى عاتب نبيه، حين أراد إكراه البعض حباً لهم، فقال تعالى: [وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ] يونس: 99. والهمزة في هذه الآية للاستفهام الإنكاري، وهو أقوى من النهي في علم البلاغة. وقال سبحانه: [وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ] الكهف: 29.
والإيمان يتكون من عنصرين، أحدهما: معنوي، وهو الاعتقاد الجازم، الثابت، المطابق للواقع، بالله، وما يتفرع عنه من المغيبات. والعنصر الثاني: هو مادي، وهو عبارة عن الأعمال الصالحة، كما قال سبحانه وتعالى: [وَالْعَصْرِ(1) إِنَّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ(2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ(3)]العصر: 1 - 3.
والإكراه عبارة عن ضغط غير مشروع على الإنسان، للقيام بعمل لا يرضاه، فهو إذا كان مسيطراً على العنصر المادي في الإيمان، فليس له سلطة على العنصر المعنوي الباطني.
وإكراه أي شخص على الدين، يؤدي إلى استحداث إنسان منافق في المجتمع، لأن ظاهره يخالف باطنه، والمنافق أخطر على المجتمع من الكافر الظاهر (1).
وعليه، فمبدأ الإكراه مرفوض في الإسلام، مُخالفٌ لنصِّ القرآن الكريم. فقد خلق اللهُ الإنسان حراً مختاراً، لكي يتحقق الغرض من الامتحان والابتلاء.
2ـ مبدأ الاختلاف المشروع الذي أقره القرآن الكريم:
الاختلاف مبدأ قرآني، قال تعالى: [وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ..] هود: 118- 119. الآية تتضمن نفي الاضطرار والقسر، وأنّ الله سبحانه لم يضطر الناس إلى الاتفاق، أي أنهم سيختلفون. ولكن الله مكّن الإنسان من الاختيار، الذي هو أساس التكليف، فاختار البعض الحق، والبعض الآخر الباطل، فاختلفوا، وذلك من التمكُّن والاختيار، الذي كان عنه الاختلاف(2). وأصحاب الفكر المتشدد لا يستسيغون الاختلاف، حتى في المسائل الفرعية، فكل اجتهاد، أو فكرة، تخالف وجهتهم، وما يذهبون إليه من آراء وتصورات، غير مقبولة ومردودة، ويتهمون مخالفيهم بالفسق والابتداع والارتداد.
3ـ مبدأ الرحمة والشفقة: (الإسلام دين الرحمة والشفقة والتسامح)
الأصل في الدين مبدأ الرحمة والتسامح، وهو مقدّم على القسوة والانتقام.. والفقه المُتشدِّد، القائم على الغلو والتطرف، الذي تؤمن به هذه الجماعات، ألبس الدين لباس القسوة والقمع، وتحوّل الشرع المنزَّل ـ على يدهم ـ إلى دين الإكراه والانتقام، تكسوه الفظاظة والغلظة، وتعلو مُحَيّاه الرغبة في الاتهام والتجريح، ويَتَّسِمُ بالعنف والخشونة والرعونة. فانفض منه من لم يسمع عن قول الحق سبحانه: [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ] آل عمران: 159.

4ـ مبدأ اليسر والبِشارة: الإسلام دين اليسر والبشارة وليس دين التعسير والتنطع والغلو
الإسلام، بنصوصه، يقف بكل صراحة وجرأة، أمام ظاهرة الغُلوِّ والتَشدُّد.. والنصوص، من القرآن الكريم والأحاديث النبوية، كثيرة حول هذه الظاهرة، منها: قوله تعالى: [يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ] النساء: 171. ومع أن الآية نزلت في النصارى، حيث تأمرهم بعدم التشدد والتطرف والغلو في الدين، وأن لا يقولوا على الله (سبحانه وتعالى) إلا ما هو حق وعدل، لكن حكمها وأمرها عام، حيث يشمل المسلمين أيضا، إذ يجب عليهم أن لا يغلوا ولا يتطرفوا في دينهم، وأن لا يقولوا على الله إلا ما هو حق وعدل.. وأما رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقد نهى عن التشدد والغلو والتنطع في الدين، في أحاديث كثيرة، منها: قوله (صلى الله عليه وسلم): ((إياكم والغُلوَّ في الدِّين، فإنما أَهْلَكَ مَنْ كان قبلَكُم بالغُلوِّ في الدِّين..)) (3)، وقوله (صلى الله عليه وسلم): ((هلك المُتنطِّعون))، قالها: ثلاثا (4). والمتنطعون هم: المتعمِّقون المُغالون في الدين والتديُّن، وفي سوء التعامل مع الناس. فالتنطع هو: التعمق وتجاوز الحد في القول والفعل.
ماعدا الآيات والأحاديث التي تأمر بالأخذ باليُسر والتيسير والرفق (5)، وتدل عليه.. كقوله تعالى: [مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ] المائدة: 6. وقوله سبحانه: [يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ] البقرة: 185. وقوله (صلى الله عليه وسلم) لمعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري: ((يسِّرا ولا تُعسِّرا، وبشِّرا ولا تُنفِّرا)) (6).وقوله (صلى الله عليه وسلم): (إن هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق) (7). وقوله (صلى الله عليه وسلم): (إن هذا الدين يُسرٌ، ولن يُشادَّ الدّين أحدٌ إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة)، وفي رواية أخرى زاد: (والقصد القصد تبلغوا)(8).
5ـ مبدأ عدم استسهال اطلاق التكفير على الآخرين:
يُعَدُّ تكفير المسلمين مسألة خطيرة جداً. ومعناه إطلاق صفة الكافر على مسلم أقَرّ بالشهادتين، على أساس فكرة، أو قول، أو تصرف، بدر منه. وحكمه: أنه أمر مرفوض في الإسلام، وذلك لآيات وأحاديث كثيرة، دلّت على ذلك، منها، قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا] النساء: 94. ويقول (صلى الله عليه وسلم) في حديث شريف: (.. وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ رَمَى مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ) (9)، ويُقصد منه توعية المسلمين لتجنب جريمة التكفير.. فتكفيره كقتله، وهذا دليل على أنه جريمة كبرى. "من قال لأخيه: كافر، فقد باء به أحدهما" وفي لفظ مسلم: "من رمى مسلما بالكفر، أو قال عدو الله، إلا حاد عليه". قال ابن تيمية: "يجب الاحتراز من تكفير المسلمين بالذنوب والخطايا، فإنه أول بدعة ظهرت في الإسلام، فكفّر أهلها المسلمين، واستحلوا دماءهم وأموالهم .."(10).
فالتكفير حكم، وهو من أخطر الأحكام، وهو أمر وحكم قضائي، وليس عملاً سياسياً، ولا هو من مجالات الجدل الفكري. ومن ثم وجب الامتناع عن ممارسة هذا الاختصاص، من طرف غير المختصين، حتى لا يتلاعب بالدين، وتنقلب مهمة الدعاة إلى قضاة، ومهمة الأطباء إلى جزّارين. فالأحكام المترتبة على التكفير كثيرة وخطيرة: أحكام في الدنيا والآخرة، أحكام في الزواج، أحكام في الإرث والدفن.. وعليه يفرض بالضرورة الامتناع عن ممارسته، من طرف جميع المسلمين، وخاصة عامة الدعاة، والالتزام فيه بأشد الاحتياطات من طرف أهل الاختصاص (11).
وأصحاب الفكر المتشدد من أبرز معتقداتهم: استسهال إطلاق التكفير والتضليل والتفسيق على الآخرين.
6ـ الإسلام والتشدد في حرمة الدماء
لقد شدد الإسلام في موضوع حرمة الدماء والأعراض والأموال، من خلال النصوص القرآنية، والأحاديث النبوية الشريفة.. منها، قوله تعالى: [وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (92) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا]النساء: 92- 93، وقوله تعالى: [مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا]المائدة: 32، فكل تجاوز على حياة الإنسان جريمة، يحاسب عليها القانون في الدنيا، فضلاً عن حساب الله في الآخرة. فحق الحياة مقدس، ولا يجوز الاعتداء والتطاول عليه، وقد عدَّ الله تعالى قتل إنسان بريء موازياً لقتل البشرية جمعاء، والآية تتحدث عن الإنسان إطلاقا، بعيدا عن دينه، أو عرقه، أو لونه. أما هؤلاء فيستبيحون قتل المسلمين بأدنى شبهة، (فالأصل عندهم التساهل في إباحة القتل).
7ـ قاعدة: تدرأ الحدود بالشبهات، وكلام حول تطبيق الحدود
لقد أجمع الاصوليون من علماء الإسلام على قاعدة (تُدرأ الحدود بالشبهات)، وأن الحدود لا تطبّق إلا بعد إقامة الحجة وتهيئة الأجواء والظروف، وإقامة دولة الشورى والعدل والمساواة والحرية والضمان الاجتماعي، فالحدود لا تطبق في الظروف والأحوال غير العادية والاستثنائية.
وهذا ما حصل في زمن الخلافة الراشدة، أيام عمر بن الخطاب (رضي الله عنه). فقد قام الخليفة الراشد بتجميد أحد حدود الإسلام، أو تعليقه، في عام الرمادة.. ولا شك أن هذه السابقة من الخليفة الراشد المجتهد، تفتح أمام العقل الإسلامي إمكانيات واسعة لتحقيق تفاعل واقعي ورشيد، بين النص الثابت، وبين الأحوال والأوضاع المتطورة، فلم يتنزّل الإسلام لوائح قانونية تُطبّق بشكل أعمى على الواقع. وإنما للشريعة مقاصد، ينبغي أن ينظر المشرِّع إلى مدى تحقُّقِها، فالدّين كلُّه جاء لمصلحة العباد، وليس لله (سبحانه وتعالى) نفعٌ في أن نُطيعه، فلا تنفعه طاعتنا، ولا يضرُّه تمرُّدنا وعصياننا، ولكن النفع والضرر هو للعباد.
من هنا، وجب النظر إلى هذا التشريع المعيّن: هل يُحقِّق مصلحة العباد، أم أن المصلحة ليست مُحقَّقة؟! ولهذا نطق العلماء صراحة بأنه: "حيث ما كانت المصلحة، فثمة شرع الله". ولا يعني هذا بحال تعطيل الشريعة جُملةً، واعتبار أن الحكم هو ما يُقرِّره عقل معيّن، في ظرف معيّن. فالشريعة يظل لها قوة إلزامية بالنسبة للمسلم، حتى يتحقق المسلم، في لحظة معينة، من أن المصلحة، التي جاءت الشريعة لتحقيقها، لا تتحقّق في هذه الأحوال.. فالحدود في الشرع جاءت لتحقيق المصلحة العامة، وحمايتها، فلما تحقق عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) بأنّ هذه المصلحة العامة لم تعد مُحقَّقة، قام بتعطيل حد السرقة.
وحَدُّ السرقة ليس مقصده الشرعي ملاحقة الضعيف والمسكين، وإنما ملاحقة عتاة المجرمين، الذين يعيشون على نهب المال العام، وعلى ترك بذل الجهد كطريق للكسب. فمطاردة عتاة المجرمين، الذين يتخذون من نهب المال العام (أموال الدولة)، ونهب أموال الناس، بالباطل، مهنة لهم ورزقا، بدلاً من أن يكون الكسبُ والجهدُ طريق الرزق، هو المطلوب والمأمور به. وهؤلاء تجدهم في مناصب السلطة والقضاء، وفي مراكز التوجيه والحكم. وهذا أشد الظلم (12) قال تعالى: [وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إلى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ] البقرة : 188.
ونحن كمسلمين، في المطلق، مع كل ما ورد به نص صريح من الدين، والقرآن الكريم أكّد أنه [وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] البقرة: 179، ولكن هذا مبدأ، وتطبيق هذا المبدأ على الواقع، هو عملية في غاية الدقة، وغاية التعقيد، فعلينا   - قبل إقامة الحدود - أن نتأكد من أن هناك جريمة، لا تتعلق بها أية شبهة، لأن الأصل أن ندرأ الحدود بالشبهات، أي أن نتأكد من أن عملية الجريمة هذه، التي عليها حدّ في الشرع، لا تحمل أي مبرر. فمحترف الجريمة يأتي يدخل بيتا، ويحتجز طفلاً، أو يحتجز رهينةً، أو يغتصب امرأةً، أو يقتل، أو يفاوض من أجل مال، أو يسرق، من دون أي مبرر، هذه جريمة حقيقية، يقوم بها المجرم المحترف، والحدود موجّهَةٌ أساساً إلى المجرمين المحترفين، وحَدُّ السرقة مثلا موجّه إلى هؤلاء الذين يحترفون، وليس لهم حاجة حقيقية إلى المال، وإلا لو كانت لهم حاجة حقيقية إلى المال، فالإسلام يطبق عليهم قاعدة: (ادرؤُوا الحدود بالشبهات). والقاتل المحترف لا يَقتل لأنّ هناك شبهة أنه يدافع عن عرضه، أو وطنه، أو ماله، أو نفسه، وإنما من أجل القتل المجاني، بمعنى هناك احتراف(13).
وعليه تطبَّق الحدود عندما لا يكون للجريمة التي عليها حَدُّ في الشرع أي مبرر، وذلك حماية للمجتمع من المجرمين المحترفين، الذين لا ينصاعون لأيّ قول، أو نصيحة، أو ذكرى، ولا يرتدعون إلا بتطبيق القوانين عليهم، وبكل حزم وحسم. (أما عند هذه الجماعات التكفيرية، فالقاعدة عندهم، هي: إقامة الحدود بأدنى شبهة).



المحور الثاني
عدم مراعاة الواقع والظروف عند إسقاط بعض الأحكام الشرعية على الواقع الحالي:
 إنّ إسقاط بعض الأحكام الشرعية على الواقع الحالي، ووفق فهم ضيق، والتشدد في ذلك، مع التشبث ببعض الاجتهادات الخاصة، في مثل هذه المواضيع، مع عدم مراعاة فقه الواقع، والظروف والأحوال المتغيرة، من المسائل والقضايا الرئيسة، التي لها التأثير السلبـي في واقع الأمة المسلمة، وهو ما تتميّز به هذه الجماعات المتشددة.
ومن المعلوم أن أحكام الإسلام لا تُنفَّذْ بشكل آلي، وإنما تُراعي أحوال الناس والواقع، ومدى فهمهم للحق، ومدى انصباغهم بالصبغة الإسلامية. لأن القانون الإسلامي لا يتسلط على الأغلبية، ككل قانون، فلا يستطيع أي قانون أن يعمل بنجاح، إلا إذا كان يعمل ضمن رأي عام موالٍ له، ليحمي الجماعة، أما اذا كان الرأي العام، مثلاً، متجاهلا لتعاطي الموبقات والمعاصي، فالقانون عندئذ لا يستطيع أن يصلح هذه الجماعة، والأمر يحتاج إلى دعوة وتربية، لا إلى قانون وقضاء(14)..
 وأدناه نبين بعض الأحكام والمسائل، التي نختلف فيها مع أصحاب الفهم المتشدد، وكيفية تطبيقها، وإنزالها في الواقع:
1) الاسترقاق
 الرق استثناء وأمر طارىء ومؤقت، ومن صنع الإنسان البدائي والهمجي قبل الإسلام، بعيدٌ بُعد السماء والأرض من أن يعترف به الإسلام، أو أن يقرّه، بصورة مشروعة دائمية. فالرقيق (العبد) إنسان كرّمه القرآن الكريم، بما كرّم به الإنسان، دون تمييز أو تفريق (15).
فالإسلام جاء بثورة تحريرية شاملة، ولم يدع في نص واحد إلى الرق، وإنما دعا دائما إلى الإعتاق، دعا إلى الحرية، وفتح أبوابها (16)، ولم يحصل قول بإقرار رافد من روافد الاسترقاق، التي كانت تزود مستنقع العبيد والجواري، بما يكون من مقومات ديمومته. وقد سلك القرآن الكريم طريقتين لعلاج هذا المرض المستشري يومذاك في العالم، وهي: الطرق الوقائية، والطرق العلاجية ..
والمراد بالطرق الوقائية، هو سد وإلغاء روافد الرق، حتى يجف المستنقع المُكوَّن منها. ومن ديدن القرآن الكريم، مكافحة كل ظاهرة جرمية بالوسائل الوقائية، والاعتماد عليها أكثر من الاعتماد على الطرق العلاجية، لأن الوقاية خير من العلاج.
 ومن الوسائل الوقائية ما يلي:
1ـ مقاومة استرقاق الأسير.
2ـ تحريم القرصنة، والاختطاف، ونحوها.
3ـ معالجة القرآن الجرائم المعاقب عليها، بطرق أخرى غير الاسترقاق، كما كان في السابق.
4ـ مكافحة الفقر، واستبعاد الدَين أو الفقر سببا للاسترقاق.
5ـ سلب سلطة الشخص على نفسه، ببيعه لنفسه.
6ـ سلب سلطة الشخص ببيعه لغيره.
7ـ تعديل التناسل، جعل القرآن التناسل سببا للعتق والتحرير.
8ـ حرم القرآن كل سبب من أسباب الرق في القوانين والأعراف السابقة.
ومن الطرق العلاجية
1ـ خصص القرآن الكريم مصرفاً من مصارف الزكاة، لتحرير الرقيق من العبودية، قال تعالى: [إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] التوبة: 60.
2ـ جعل تحرير الأرقاء، من العبيد والجواري، كفارة لأربعة أنواع من الذنوب، وهي: القتل الخطأ، والظهار، والحنث من اليمين، ومعاشرة الزوجة في نهار رمضان. قال تعالى: [وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا] النساء: 92، وقال سبحانه: [وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ]المجادلة: 3. وقال عزّوجل: [لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]المائدة: 89.
3ـ المكاتبة: أقرّ الإسلام مبدأ المكاتبة.. وهي أن يتم الاتفاق بين السيد ورقيقه، على أن يعتقه إذا دفع له مبلغاً من المال. قال تعالى: [وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ]النور: 33.
4ـ يُعدُّ تحرير الرقاب من أجلّ وأعظم الأعمال في القرآن الكريم، وقد شجّع المؤمنين على تحرير الارقاء، قال تعالى: [فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ] البلد: 11 - 16.
5ـ الولادة والنسل. بعد أن كانت الولادة سبباً للرق، لدى الأمم القديمة، من حيث اعتبار ولد الرقيق رقيقاً، جعلها الإسلام سببا للتحرير من الرق.. فجعل أولاد الجواري، من أزواجهن الأحرار، أحراراً، كما تصبح أمهم مستحقة للحرية، بعد وفاة سيدها..
6ـ إجراءات احتياطية لمصلحة الأرقاء: فمن صدر منه تعبير يدل على الإعتاق والحرية لرقيقه، يعده الإسلام أمرا، فمصير الرقيق هو العتق في الحال، سواءً كان في تعبيره جادا أو هازلاً، مصيباً أو مخطئاً، مختاراً أو مكرهاً..
 7ـ التدبير، وهو الوصية بعتق الرقيق، بعد وفاة السيد.
8ـ الإيذاء. إيذاء السيد للرقيق، موجبٌ للعتق تلقائيا، دون أي إجراء قانوني (17).
ومع هذا كله نقول: إنّ الإسلام كان أول الأديان التي حذّرت الإنسان من الرق، ودعت إلى الإعتاق.. واليوم، وفي العصر الحاضر، لا يزال يوجد من مخلفات الرق، ومن مظاهر الرق الجماعي، الشيء الكثير. فرغم انتهاء الرق رسميا، إلاّ أنه انتهى في جانبه الشكلي القانوني فقط، فهناك شعوب بكاملها تُسترَق، شعوب بكاملها تُفرَض عليها الهيمنة الدولية. استعمار الشعوب، والدول، ونهب ثرواتها، أليس هذا هو الإقطاع الجديد، الذي تمارسه الدول الكبرى؟!. تجويع الشعوب، واسترقاقها، من طرف بعض الحكومات، ومن قبل المؤسسات الرأسمالية، أليس هذا استعباداً، ولكن بشكل آخر.
تعيش قلة من العائلات في وضع السيِّد، وتعيش شعوب بأكملها في العالم الثالث، بل وتعيش فئات داخل المجتمعات الغربية نفسها، في وضع أسوأ من وضع الرقيق. أليس هذا استرقاقا، ولكن بلون آخر؟؟!!.. (18).

 2) قتل الأسرى:
لقد اتبع الرسول (صلى الله عليه وسلم) طرق العطف والرحمة مع الأسرى، وكما يلي:
1)           مبادلة الأسرى ببعضهم.
2)           إطلاق سراح البعض، مقابل فداء مالي.
3)           إطلاق سراح الفقراء منهم، بدون مقابل.
4)           إطلاق سراح البعض منهم، مقابل تعليم بعض أولاد المسلمين القراءة والكتابة، لاهتمامه بشأن العلم، الذي نزل الأمر به في الآية الأولى التي نزلت عليه: [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ]العلق: 1.
وقتل الأسير مُخالفٌ للمبادئ العامة في الإسلام، للأدلة الآتية:
أـ قتل بغير حق، ولا موجب للقصاص، وهو مخالفٌ لقوله تعالى: [مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا] المائدة : 32.
ب ـ مُخالفٌ لحصر القرآن الكريم مصير الأسير في إطلاق سراحه: إما منّا، وإما فداءاً، لقوله تعالى: [فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا] محمد: 4.
جـ ـ القتل انتقاماً للطرف المعتدي، مُخالفٌ لقوله تعالى: [وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ] الأنعام: 164.
دـ لم يقتل الرسول (صلى الله عليه وسلم)، ولا أصحابه، أي أسير في الحرب، ولم يجبرهم على الإسلام. وقتله لبعض الأسرى، إنما كان لخيانتهم العظمى بالتعاون مع أعداء الإسلام، بعد اعتناقهم الإسلام، واطلاعهم على أسرار المسلمين، ثم ارتدادهم، والتحاقهم بالأعداء، فإذا وقعوا في أسر المسلمين بعد ذلك يقتلون، لا لكونهم أسرى الحرب، وإنما لخيانتهم العظمى(19).
3) التعامل مع غير المسلمين
القاعدة في التعامل مع غير المسلمين- المسالمين غير المحاربين-، هي: (التعامل بالبر والقسط)، لقوله تعالى: [لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ]الممتحنة: 8- 9. فالآية تبين قاعدة المنهج القرآني في رسم حدود العلاقة مع غير المسلمين – المسالمين غير المحاربين – ، ووضع الفقهاء قاعدتهم الفقهية في التعامل مع الآخر، من مواطني الدولة، وفق بند: (لهم مالنا، وعليهم ما علينا) (20).
وانطلاقا من المنهج النبوي في التعامل مع غير المسلمين، في المجتمع الإسلامي، قال الفقهاء: "إنّ عقد الذمة يوجب لهم حقوقاً علينا، لأنهم في جوارنا، وفي خفارتنا، وذمتنا، وذمة الله تعالى، وذمة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ودين الإسلام، فمن اعتدى عليهم، ولو بكلمة سوء، أو غيبة، فقد ضيع ذمة الله تعالى، وذمة رسوله، وذمة دين الإسلام" (21).
أما الاعتداء عليهم، وإخراجهم من ديارهم، وسلب ونهب أموالهم، والتعرض لهم -كما حصل من هذه الجماعات المتشددة- فهو أمر مرفوض، وغير مقبول، وفق مبادىء الإسلام (22).
4) الجزية
إن فرض الجزية على المواطنين، من غير المسلمين (23)، في بلاد الإسلام، اليوم، مخالفٌ لحِكمة الجزية في صدر الإسلام، فهي كانت لعدم مشاركة غير المسلمين، من أهل الجزية، في الحروب، التي كانت دفاعا عن الإسلام، وغير المسلمين لم يُفرض عليهم هذا الدفاع   ـ لأنه أمرٌ تعبدي، يقوم به المسلمون ـ، وكانت أيضا بمثابة البدل النقدي عن الخدمة العسكرية الإجبارية، وأهل الجزية لم يكونوا مكلَّفين بهذه الخدمة. أما اليوم، فقد تختلف هذه الحكمة، والعلة الغائية، لأن المسلمين، وغير المسلمين، في كل بلد، متساوون في خدمة بلدهم، دفاعا عنه، وعن النظام العام، وحياتهم، وأغراضهم، وأموالهم. والقاعدة الأصولية الشرعية، المتفق عليها، تقضي بأن الحكم يدور مع علته، وجوداً وعدماً.
وقد حذف الإمام عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) لفظ (الجزية)، رغم أنه مذكور في القرآن الكريم، وذلك استجابة لعرب (بني تغلب)، من النصارى، الذين أنَفَوا من هذا الاسم، وطلبوا أن يؤخذ منهم ما يؤخذ باسم الصدقة، وإن كان مضاعفاً، فوافقهم عمر (رضي الله عنه)، ولم يَرَ في ذلك بأسا.
وهذا تنبيه من الفاروق (رضي الله عنه) على أصل مهم، وهو النظر إلى المقاصد والمعاني، لا إلى الألفاظ والمباني، والاعتبار بالمسميات لا الأسماء. ومن هنا نقول: إنه لا ضرورة للتمسك بلفظ (الجزية)، فالكل مواطنون، ويكفي بأن يدفعوا الضريبة، وباسم البدل العسكري، وهذا للمسلمين، ولغير المسلمين، أو يشتركوا بأنفسهم في الدفاع عن الوطن، فتسقط هذه الضريبة عنهم (24).
والقاعدة الأصولية تقول: الحكم يدور مع علته. ومعنى القاعدة: أنه يوجد الحكم عندما توجد العلة، ويعدم بعدمها، فإذا وجدت العلة، وجد الحكم، وإذا انتفت العلة، انتفى الحكم. ولهذه القاعدة أثر بالغ في المسائل الفقهية والدعوية، بما يفي حاجات الزمان، فإنّ هناك أحكاماً كثيرة في الفقه الإسلامي معلولة بعلل تدور عليها الأحكام، وقد تغيّرت العلل بتغيّر الزمان، فلا بد من تغيّر الفتاوى الدائرة عليها (25).
5) إشكالية مصطلح (أهل الذمة)
أهل الذمة ( 26): هم المواطنون من غير المسلمين، الذين يعيشون في بلاد المسلمين، وهم الذين لهم عهد دائم ومؤبد، فهم يحملون جنسية بلاد الإسلام، وبتعبير آخر هم مواطنون في الدولة الإسلامية.
والمواطنة تطور طبيعي لعقد الذمة. فاليوم استقرت فكرة المواطنة على أساس المساواة بين جميع المواطنين أمام الدولة، في الحقوق والواجبات، مع المحافظة على الحرية الشخصية، في نطاق العقيدة والعبادة. هذا الأساس هو نفسه الذي قامت عليه دولة الإسلام الأولى، في المدينة المنورة.
وأهل الذمة بمعنى أهل العهد، أي لهم ذمة وعهد الله تعالى، وذمة وعهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وذمة الدولة. وهم الذين قال فيهم الفقه الإسلامي: (لهم مالنا، وعليهم ما علينا)، أي في الجملة والعموم، إلا ما اقتضته طبيعة الاختلاف الديني. وليست عبارة (أهل الذمة) عبارة ذم أو تنقيص، بل هي عبارة توحي بوجوب الرعاية والوفاء، تدينا وامتثالا لشرع الله .
والدولة -التي تراعي وتطبق الأحكام الشرعية - أكثر مراعاةً للحرية الدينية لمواطنيها، مِنَ الدول العلمانية المعاصرة، التي تقوم بإجبار جميع المواطنين بالالتزام بقوانينها، ولو كانت مخالفة لمعتقدهم الديني - كما هو الحال في مسألة الأحوال الشخصية -، بينما لا يوجد في التشريع الإسلامي، إجبار للمواطنين من غير المسلمين على مخالفة أحكامهم الدينية. فالالتزام بالأحكام الشرعية الإسلامية، من قبل الدولة، لا يستوجب إلزام غير المسلمين بها، فبعض هذه الأحكام قد يكون محرّما، أو مباحاً، في ديانة غير المسلمين، ولا يجوز إلزامهم بما يخالف دينهم..
وعليه، فعقد الذمة - بأسسه الشرعية - لا يختلف عن عقد المواطنة، لجهة المساواة بين المواطنين من حيث المبدأ، والمحافظة على الحريات الدينية. وما قد يظهر في بعض الأحكام التفصيلية الشرعية، من عدم المساواة، مردّه إلى مراعاة الحريات الدينية.
وإذا كان المواطنون من غير المسلمين يتأذون من هذا المصطلح، فليُغيّر أو يُحذف، فإن الله لم يتعبّدنا به..
وحقوق أهل الذمة، من حيث الأساس، كحقوق المواطنة، حسب القاعدة المعروفة: (لهم ما لنا، وعليهم ما علينا)، فالتمتع بكامل الحقوق في عقائدهم، وعباداتهم، وأحوالهم الشخصية، والواجب على الدولة حمايتهم، ولهم الحق في كفالة الدولة، أسوة بالمواطنين الآخرين، واللجوء إلى القضاء لحمايتهم من كل أنواع الظلم ( 27).
6) الخلافة ( 28)
إنّ أقل ما يُقال في موضوع دولة الخلافة الإسلامية، أنها دولة قائمة على أسس العدل والحق والمساواة والحرية والشورى وتكريم الإنسان. وإنّ العقد الذي بين الحاكم والمحكومين، أو رئيس الدولة (الخليفة) والمواطنين، إنما هو عقد بين طرفين، وقائم على الرضا والقناعة، وليس على الإكراه والفرض.
وإعلان الخلافة ينبغي أن يكون بمشورة واجتماع الجماعات والفصائل والدول، وليس باحتكار مجموعة واحدة لهذا الموضوع الخطير، ومن دون استشارة الآخرين، كما هو حاصل في الدولة/ الخلافة البدعية، التي أعلنها تنظيم (داعش)، في جزء من الأراضي التابعة للعراق وسوريا.
فالخلافة قائمة على مبدأ الشورى، أي استشارة الأمة، الذي يمثلها أهل الحل والعقد، من العلماء العاملين، والدعاة المخلصين، والسياسيين، والقادة الثوريين، والوجهاء المعتبرين. والخلافة منصب سياسي ديني، مردّه إلى الحكم بشرع الله تعالى، لا بشريعة الغاب، وإراقة الدماء، وإهدار الأموال، فضلاً عن تكفير المسلمين، وإحداث الفتن.
أما القول بولاية المُتغلِّب، فهذا أمرٌ مرفوض من الناحية الشرعية. فالولاية العظمى عقد بين الأمة وشخص الخليفة، أو المؤسسة التي ينتمي إليها، ولا تكون بالإكراه، أو التخويف، والتهديد، ونشر الرعب والذعر بين الناس، وفرض رأي مجموعة على مجموع الأمة (29).
الموقف الصحيح تجاه الجماعات المتشددة التكفيرية
بعدما أشرنا إلى مرجعية هذه الجماعة الفكرية، وأبرز معتقداتهم، ومبادئهم، وأبرز المسائل التي يختلفون فيها عن مجموع الأمة، وذلك بمخالفتهم لمسائل ومبادئ تُعدُّ الأصل والأساس من دين الإسلام، وقيامهم بتصرفات هي بعيدة عن روح الإسلام ومبادئه السمحة، فالموقف الصحيح هو ما يلي:
أنها مجموعة باغية، وفئة ضالة.. والاختلاف معهم في جملة المسائل الأساسية، التي أشرنا إليها، - والصحيح أن (لا نُكفِّر من كفّرنا)، فلسنا قضاة - وهذه المجموعة  -وفق المنهج والرؤية القرآنية- بُغاة وعُصاة. فالعلماء والفقهاء، ومن كل الاتجاهات الفكرية والفقهية والسياسية، قالوا بأنّ هؤلاء فئة ضالة وباغية، وأنهم يتصفون ببعض صفات الخوارج، منها: التكفير، واستباحة دماء المسلمين، وهي ليست حركة جهادية إصلاحية تحرُّرية، تريد الخير والنفع للمسلمين، وإنما هي حركة تحمل مبادىء وأفكارا ضالة وباطلة.
فالاختلاف معهم اختلاف عَقَدي شرعي، وفكري ومبدئي، في المقام الأول، وهو حاصل في جملة من المسائل، منها:
كيفية فهم النصوص وتنزيلها على أرض الواقع، وكيفية التفهُّم للواقع الحالي، الذي تمر به الأمة الإسلامية، والقوى المحركة له، وطبيعة الصراع الذي ينبغي أن تمارسه حركة إصلاحية في المجتمع، وآليات استراتيجية التغيير، والتصور للنموذج الذي ينبغي تقديمه للمجتمع، وعلاقة التيارات الإسلامية المعتدلة بالقوى الوطنية الأخرى، في الساحة السياسية، وكيفية التعامل مع المفاهيم الفكرية والسياسية المعاصرة، كالديموقراطية، والتعددية، والتعايش السلمي، والتصوّر لمكانة وحقوق وحريات المرأة المسلمة، وتصنيف المجتمع، وكثير من المسائل الأخرى. لذلك، ومن خلال هذا التصور، فإنّ جزءاً هاما من المشروع الإسلامي الإصلاحي المعتدل، من الناحية الفكرية، ينصب على محاولة إصلاح الفكر الإسلامي المعاصر، خصوصا تلك التيارات الفكرية التي تحمل شعارات الإسلام، وتحتضن الغلو في الفكر، والتطرف في السلوك، وتؤمن بالعنف، وتتبنّى التكفير، والتجهيل، وفرض العقائد والقناعات على المجتمعات بالقوة، وتنتهج المسلك المثالي البعيد عن واقع الحياة المعاصرة، وتعمل على تهميش دور المرأة المسلمة، وتنفي الاعتقادات المخالفة بشكل قاطع، وترفض التعددية والحرية السياسية.. فلا يمكن، والحالة هذه، السكوت عن الممارسات والأساليب المنحرفة الخاطئة، من: الارتجالية، والفوضوية، واللاأُبالية، والعودة إلى التاريخ، والماضوية، وحالة التحجر، والجمود، وتشويه صورة الإسلام، والمشروع الإسلامي المعاصر، من قبل هذه الجماعات المتشددة التكفيرية، وذلك للأسباب التالية:
1)           الاعتقاد الجازم بأنّ هذا الطرح الفكري المُتجمِّد لا يُعبِّر عن طبيعة الروح الإسلامية، المليئة بالسماحة واليسر، وأهدافها العظيمة في حياة المجتمع البشري، بالقدر الذي يعبر عن حالة اليأس والقنوط الذي أصاب حملَتَه، وطبيعة الواقع السياسي المتخلف الذي يعيشونه. بمعنى آخر، أنه واقع تحت تأثير جزء من التراث المنهار، في عصر الانحطاط الحضاري، الذي أصاب العالم الإسلامي، والأمة الإسلامية. بتعبير آخر يكتنف هذا الطرح خطآن فادحان، وهما:
-              الأول: إن هذا الطرح الفكري لا يستمد تصوراته واعتقاداته مباشرة من القرآن الكريم والوحي الإلهي، وإنما يستمدها من النموذج التراثي التاريخي عند الشعوب المسلمة في التاريخ، ومنها يعود أدراجه إلى النصوص من القرآن والأحاديث، وبفهم ظاهري قاصر وحرفي.
-              الثاني: وكنتيجة حتمية للنقطة الأولى، فإنه لا يبدأ من الواقع الذي بدأ فيه، وإنما يبدأ بمقاييس الزمن التاريخي، ويطبقها على الواقع الذي يعيش فيه، (مثل: موضوع الجواري، والتعامل مع شرائح المجتمع من غير المسلمين)، مما يجعل الفكرة المطروحة غريبة، وعاجزة عن الإجابة عن الكثير من الأسئلة الحاضرة. بل وأكثر من ذلك، يدفعها هذا الفهم الخاطئ إلى الظهور بمظهر الخطر الدائم على سعادة، وهدوء المجتمع، وحرياته، واستقرار المنطقة، وأمنها.
ولا يخفى على أي واحد، وخاصة من المخلصين والمهتمين بالمشروع الإسلامي الحضاري، مدى خطورة وأهمية هذه المسائل الحساسة، وتأثيراتها السلبية على مجمل المشروع الإسلامي في المنطقة، والعالم ككل.  
2)           الاعتقاد - أيضا - بأن الغلو في الفكر، والتطرف في السلوك، والتشدد، وهيمنة العقلية التكفيرية، وتبني استراتيجية العنف والإرهاب، قد جاء على العالم الإسلامي، ومنطقتنا خصوصاً، بمصائب وويلات لم يأتِ بها أعداؤه، حيث أغلقوا أبواب العقل، والمعرفة، وألغوها من الوجود، وقليلاً ما سألوا ويسألون عن مدى التأثير السلبـي الذي يتركه هذا النمط المتشدد اللاواعي اللاعقلاني على المسلمين، والواقع الإسلامي، والمشروع الإسلامي المعاصر؟ وإلى أي مدى تكمن فيه مصلحة العباد والبلاد؟
ولا يلتفت أصحاب هذا الطرح أبداً، إلى نتائج ردّ الفعل المباشر الذي ينتهجه الأعداء حيال هذه السياسة الهوجاء؟ إنهم يتصورون – بعقليتهم هذه – أنهم يؤدون واجباً إلهيا!!
لذا، فهذه الجماعات التكفيرية المتشددة، تقوم ببعض الأعمال والتصرفات، البعيدة كل البعد عن روح الإسلام وسماحته، مثل: الذبح، وقتل الأسرى، وتفجير المقابر، وفرض أشد الأوامر والتعليمات القاسية على المرأة، وإخضاعها للضغوطات، والقيام بتهميش دورها، بعيداً عن التصور الإسلامي الصحيح عن المرأة، ودورها في المجتمع.. إلخ، من التصرفات اللامسؤولة، دون أن تتحمل أي مسؤولية عن أي رد فعل مباشر، أو غير مباشر، للنتائج السلبية التي تنبع من هذه الأعمال، مما تسبب في خلط أوراق المشروع الإسلامي المعاصر، بأعمال وسلوكيات مليئة بالرعونة والتهور الجنوني، مما أوجد اليأس في نفوس الناس، وأفسح المجال للدعايات المضادة المغرضة ضد الإسلام من جهة، وضد المشروع الإسلامي المعتدل الحضاري، من جهة أخرى..
وهل يوجد خطأ أكبر من ذلك الذي ترتكبه هذه الجماعات التكفيرية، بتثبيط وإبعاد الناس عن الإسلام، وعن المشروع الإسلامي الحضاري، الذي يحمل الخير لهذه الأمة، والحلول لمشاكلها.
3)           إنّ هذه المجاميع التكفيرية المتشددة تدفع، وعن طريق نشاطاتها السطحية، غير المخطط لها، ودمويتها، وتخريبها، أن تبرر لتدخل وتسلط القوى الإقليمية، والقوى الكبرى، لتنفيذ مخططاتها في المنطقة. وتدفع، من جهة أخرى، السلطات المحلية في البلدان المسلمة، أن تُضيِّق الخناق على العمل، والنشاط الإسلامي، وأن تحرم الجماعات الإسلامية (السلمية والمعتدلة) من الحرية السياسية، والنشاط الإسلامي، وأن تجرؤَ على تصفية العناصر الإسلامية، ودعاة المشروع الإسلامي، جسدياً ومعنوياً..
4)           إن هذه المجاميع قد تحرز انتصارات عسكرية ميدانية مؤقتة، وقد تسيطر على مناطق سكنية، وتقوم بفرض قوانينها وأفكارها على الناس، ولكنها ستعجز وبدون شك عن إدارة المجتمع والسلطة والدولة، بشكل يُحسُّ فيه المواطن بكرامته وحريته وسعادته وأمنه داخل المجتمع. وبنظرتها الضيقة للكثير من مفردات الحياة اليومية ستفرض طوقا محكما على حياة الأفراد، مما سيؤدي إلى إيجاد الخلافات المتنوعة، وتعميق الصراعات.. فالحياة تحت ظل هذه الجماعات ستكون مظلمة وسوداوية.
5)           ومن أجل بيان حقيقة الموقف من الناحية الشرعية، ومن الناحية الفكرية والواقعية، وللحفاظ على مصداقية النهج الإسلامي المعتدل الحضاري، ومشروعه المطروح، والمبادئ التي أعلن عنها، والشعارات التي رفعها، عليه ينبغي عدم السكوت عن الأخطاء، وعدم التغاضي عن التوجهات والأفكار والآراء الشاذة، التي تحملها هذه الجماعات التكفيرية المتشددة. لأن السكوت والتغاضي عن أفكار وأعمال خاطئة، يؤدي إلى فقدان المصداقية، وإساءة الظن بالمشروع الإسلامي الصحيح. ومن المستحسن هنا أن نشير إلى نقطة هامة، وهي: أن على التيار الإسلامي الوسطي المعتدل أن يكون في المستوى والقدر الكافي من الجرأة لنقد الذات، وعدم الصمت نحو الأخطاء، التي ترتكب داخل الدائرة الإسلامية. وهذه النظرة تتطلبها النظرية الإصلاحية، التي يؤمن بها، وعليه أن لا يقبل بالانحرافات الحركية والمنهجية، ولا يسكت عن الأعمال السطحية، غير المخطط لها، والجرائم التي ترتكبها هذه الجماعات. فعليه توضيح الحقيقة، وبيان الموقف. 
6)           ولكي لا يختلط ملف الإسلام كدين، وملف المشروع الإسلامي كطرح وفهم معاصر ومعتدل، مع طروحات وتصرفات الآخرين، وخاصة أصحاب الفهم الجزئي للإسلام، والمجاميع المتشددة، والذي يُقصد منه تشويه صورة الإسلام، والتيار الإسلامي المعتدل، أمام الرأي العام. حيث أنه لا يفكر بمثل ما يفكرون، ولا ينتهج أسلوبهم في العمل السياسي، ويحاول أن يضرب للمجتمعات نموذجاً صحيحا للإسلام، ويبذل في هذا السبيل راحة أفراده، وطاقاته، وجميع إمكانياته نموذجاً حقيقياً للوجه المشرق للإسلام، بحيث يعطي هذا النموذج المجتمعَ مزيداً من الأمل والرجاء بالإسلام، والمشروع الإسلامي، وربط هذه الحقيقة بواقع الشعور الوطني والقومي الذي يؤمن به، والعمل من أجل التطوير والترقية في جميع مجالات الحياة، والتربية الصالحة التي ينتهجها للجيل. لذلك عليه عدم الاستعداد أبدا للقبول بأخطاء وانحرافات داخل الصف الإسلامي، ومن ثم دفع الضرائب عن تصرفات وممارسات الآخرين، من أجل استراتيجية ضيقة قاصرة، ليست في صالح الإسلام، والأمة الإسلامية، وشعوب المنطقة.
بضاعة المفلسين: الاصطياد في الماء العكر
إنّ الذين يريدون الاصطياد في الماء العكر، ويستثمرون الوضع من أجل تحقيق مآربهم الضيقة، بعيداً عن المصلحة العامة، مع عدم مراعاة الوضع الاستثنائي العام، الذي تمر به منطقة الشرق الأوسط، وتداعيات هذه الفتنة المفبركة على شعوب المنطقة ودولها، وخاصة الشعب الكوردي المسلم (30)، وإقليم كوردستان بالأخص، يخطئون خطأً كبيراً، عندما يستغلون هذه الأحداث للتهجّم على الإسلام بذاته كــ(دين)، وليس على الحركات والجماعات المتشددة والتكفيرية، التي تدّعي الانتساب إلى الإسلام، ويقوم هؤلاء بخلط الأوراق، وذلك بوضع جميع الحركات الإسلامية في سلة واحدة، بعيداً عن الإنصاف والموضوعية، وهذا الأمر معلوم للكثيرين. ولتوضيح هذا الموضوع نقول:
الموضوع ليس متعلقاً بــ(ذات الدين)، بل هو متعلق بـــ(طبيعة فهم الدين)، ومن قبل مجموعة لا تمثل 1% من العالم الإسلامي، وبشهادة مراكز الأبحاث الغربية، بل أقل بكثير من هذه النسبة، مقارنة بالجمهور العريض للتيارات الإسلامية المعتدلة فقط، ما عدا الجماهير المسلمة. فالانتقاد يجب أن يوجّه للفهم الخاطئ، وخاصة الفهم المتشدد للدين، الذي أنتج هذه الصورة القاصرة المشوهة المجتزئة، والمتمثلة في الجماعات المتشددة التكفيرية المجرمة، وليس لذات الدين ومقدساته، دون الأخذ بنظر الاعتبار هوية غالبية الشعب، واحترام عقيدته. وهذا لا يعني الحِجر على ميدان الجدل الفكري، والعقائدي، والسياسي، فالإسلام ليس بحاجة إلى دروس في التسامح، وفي حرية الجدل العقائدي والفكري والديني. لكن الذي حرصت عليه تعاليم الإسلام، والمناظرات الإسلامية، هو: منع انتقال أو انزلاق الجدل الفكري والعقائدي إلى مستوى المهاترات والتفضيح. وفرق بين جدل فكري عقائدي، يحترم فيه الناس عقائد بعضهم بعضاً، وإنْ بيّنوا خطأها، وبين استخدام لغة المهاترات، وصحافة الفضائح، والتوظيف السياسي البعيد عن البحث عن الحق والحقيقة (31).
والحق الذي ينبغي أن يقال
أنّ هناك فهما قاصرا وناقصا وخاطئا للإسلام، أنتج (تنظيم داعش)، الذي يقوم بتصرفات بعيدة عن روح الإسلام. وهناك فهم صحيح للإسلام، أنتج (جماهير مسلمة، وحركات إسلامية معتدلة)، قامت بتصرفات نابعة من روح الإسلام. حيث رأينا أن المسلمين عامة، والجماعات الإسلامية في كوردستان، قامت باستقبال وتقديم المساعدة الممكنة، للأشخاص والعائلات الهاربة من جحيم (داعش).
وقضية (طبيعة الفهم) للأديان، وللمبادئ، والأفكار، ليس متعلقاً بالدين الإسلامي فقط، بل ليس محصوراً في الأديان فقط، ولكنه موضوع يشمل كل القضايا:
فالفهم الخاطئ، والقاصر، والمتشدد، للقومية، ينتج التعصب القومي المرفوض إنسانياً، مثل: الفكرة الفاشية، والفكرة النازية، والفكرة الكمالية الطورانية، والعروبية الصدامية، هذه كنماذج وجدت على أرض الواقع.
علماً بأن الفهم الصحيح للقومية، ينتج الاعتراف بالآخرين، وتقبُّل خصوصياتهم، والتعامل معهم على أساس المساواة والاحترام والتعارف والتعايش والتسامح. فالفهم المتشدد والمتطرف للقومية، أنتج أتاتوركاً، وسياسةً، ومنهجاً، منع شعباً بكامله من التحدث بلغته، أو لبس زيّه الخاص به، ألا وهو الشعب الكوردي في كوردستان الشمالية. وهذا الفهم أنتج صداماً، الذي قام باستخدام السلاح الكيمياوي ضد الشعب الكوردي المسلم.
فالقضية ليست متعلقة بذات الدين، بل بطبيعة فهم القضايا والأمور، لذا فمن الخطأ الفادح أن:
1) تضع أصحاب جميع الأفهام في سلة واحدة ، دون الاعتبار للتنوع والتعدد والاختلاف في الفهم والرؤية.
2) تهاجم وتخطئ ذوات المواضيع كالدين والقومية، دون الاعتبار لموضوع الفهم، سواءً أكان صحيحاً، أم خاطئاً وقاصراً.
فإذا كان من حق هؤلاء الذين يريدون الاصطياد في الماء العكر، وخاصة بعض أصحاب الأقلام من العلمانيين الإقصائيين المتطرفين، أن يدافعوا عن فكرتهم، فليس من حقهم أن يفصّلوا الإسلام حسب ما يريدون، ويتهمونه بما ليس فيه، ولا القيام بتأليب الرأي العام ضد كل ما هو متعلق بالدين الإسلامي – من الأركان والمبادئ والأصول، وإلى الذين يحملون هموم هذا الدين، من الدعاة المخلصين، الداعين إلى عقائده وأخلاقياته - وفق سياسة وعملية قائمة على تصفية حسابات سياسية مع خصم سياسي، والقيام بتأويل الخطاب الخاص بجماعة متطرفة، تأويلاً يجعله ينسحب على الاتجاه الإسلامي العام، وعلى كل العاملين في الحقل الإسلامي من ناحية، والتستر وإخفاء حقيقة الخطاب المتشدد، وارتباطه بمخابرات بعض الدول المعروفة، وأجنداته الخارجية المشبوهة، وتوظيفه من قبل القوى العظمى من ناحية أخرى.
وعلى هؤلاء الإقصائيين والمتطرفين، من العلمانيين، الذين يريدون الاصطياد في الماء العكر، أن لا يفرضوا آراءهم وتوجهاتهم على الآخرين باسم التقدم والحرية، وتحت غطاء واسم القومية والإنسانية، وأن لا يحجروا على كل فكر يناقض نظرتهم للكون والوجود والحياة، فالإسلام عندهم مجرد طقوس وعبادات، لا شأن له بالحياة، ويفسرون ويؤولون الكثير من أركانه وفرائضه، حسبما تشتهيه أنفسهم، فالجهاد عندهم عنف، وكأنه قد خلت دول العالم الآن من الجيوش، ومن الإعداد للحروب، وتوقفت مصانع ومعامل الأسلحة، وانسحبت الأساطيل البحرية، وراجمات الصواريخ البعيدة المدى، والقنابل النووية من الأرض، وكأن الدول عدلت عن صرف القسم الكبير من ميزانياتها، بهدف تطوير وسائلها الحربية والقتالية، وألغت وزارة الدفاع (32)... حكوماتنا ودولنا وشعوبنا فقط يُطلبون منها أن نتخلى عن كل شيء، حتى الدفاع عن أنفسنا، وهو الذي نسميه في ديننا (الجهاد)، فدفاعنا عن وطننا وأرضنا وشعبنا هو الجهاد. وهذا حق كل الشعوب، التي تريد الكرامة والحرية والاستقلال.
يقول الرئيس الأمريكي (ثيودور روزفلت): "في هذا العالم، إن الأمة التي تدرِّب نفسها على حياة لا تتسم بالطابع الحربي، هي أمة محكوم عليها بالزوال، قبل الأمم التي لم تفقد مزايا الرجولة والمغامرة"(33).
والتيار الإسلامي المعتدل، من الناحية الفكرية، وتصوره لصراع القوى، أو كونه كقوة جماهيرية وسياسية في الساحة، يُعدُّ طرفاً يقابله التيار العلماني، على الجهة الأخرى. وينصب عمله - من هذه الجهة - على مسألة النقد، والقراءة السياسية، وإجراء الحوارات والمناقشات مع هذه الفكرة. فهو لا يؤمن بالحِجْرِ على الأفكار، أو التهميش والإقصاء. ومن أجل توضيح أكثر للحقائق التي تؤكد على:
- أحقية المرجعية الإسلامية، من الناحية التاريخية والواقعية والنفسية والدينية والاجتماعية لقيادة هذا المجتمع، وأكثرها انسجاماً وتناسقاً مع الإنسان الكوردي والمجتمع الكوردستاني.
- قوة واستطاعة هذه المرجعية أن تحتضن أحلام ورؤى شعب كوردستان، في أعلى المستويات، من تلك الموجودة في الوقت الحالي.
وعليه نقول:
إن جميع أنواع التطرف والتشدد، سواءً أكان دينياً، أم فلسفياً، أم قومياً، أو أي طرح آخر، لها نتائج غاية في السلبية والضرر للوجود وللإنسان، ولها تبعات خطيرة، وتداعيات مدمرة، على البلدان والمجتمعات، من النواحي كافة.
وإن التشدد والتطرف والعنف ليس مقتصراً على أصحاب الفهم الجزئي والقاصر من المسلمين، بل  يتعدى إلى جميع التوجهات في التاريخ البشري، وعليه فإذا ما تصفحنا التاريخ، سيتضح لنا، وبشكل لا مثيل له، حجم الفظائع والجرائم التي ارتكبت ضد البشر، من قبل أصحاب الفهم المتشدد والقاصر، ولجميع الأديان والتوجهات والأفكار.
وسنشير إلى البعض منها، كنماذج وأمثلة على ما سبق، وكالآتي:
- في تاريخ المسيحية، في القرون الوسطى، جنايات عظمى بحق البشرية. ومنها فظائع محاكم التفتيش الكنسية (34)، وقد بلغ عدد ضحايا الحروب الدينية في أوروبا، بين الكاثوليك والبروتستانت، حوالي عشرة ملايين – وفق إحصاء الفيلسوف فولتير(1694 – 1778م)، أي 40% من شعوب وسط أوروبا آنذاك - !!. (35)
وفي تاريخ المستوطنين البيض المسيحيين، في أمريكا الشمالية، والوسطى، وأستراليا، ونيوزيلاندا، وأفريقيا، جرائم إبادة ارتكبت ضد السكان الأصليين، والنهب الاستعماري الاستيطاني لهذه البلدان، وبمباركة الكنائس. والجرائم التي ارتكبها الأسبان، والبرتغاليون، في أمريكا الجنوبية لا توصف.
وإذا ما تتبعنا التطرف النازي والفاشي في الأربعينيات من القرن العشرين، فإننا سنرى نهج الظلم والاستبداد والإبادة ضد فئات وطوائف من المجتمع، وكان هذا التطرف السبب في إشعال نار حرب عالمية أزهقت أرواح الملايين من البشر، ففي الحرب العالمية الثانية فقط "خسرت المانيا 7,5 مليون إنسان نصفهم من المدنيين، وروسيا أكثر من 17 مليون قتيل، عشرة ملايين منهم كانوا مدنيين، وإنكلترا وفرنسا نحو مليون لكل منهما، منهم 450 ألف مدني" (36).
مع العلم أن ضحايا الحربين العالميتين، اللتين شهدهما النصف الأول من القرن العشرين، فاق عددهم (الستين مليونا من البشر)، وكانت أوروبا السبب المباشر للحرب (37).
أما التطرف الماركسي اللينيني، بعد انتصار الثورة البلشفية عام 1917 في (روسيا)، فقد أفرز جرائم وفظائع كبرى ارتكبت تحت ظل حكمه، ففي فترة حكم ستالين (1941 - 1953) فقط، قتل نحو (20 مليون إنسان).
والتطرف الشيوعي الكمبودي، في السبعينيات من القرن العشرين الميلادي، أدى إلى إبادة (3) ملايين كمبودي، على يد الخمير الحمر، خلال فترة حكمهم (1975 - 1979) (38).
والإرهاب البوذي في (بورما)، ومنذ الاستقلال، ولحد الآن، ونتيجة لسياسة الإبادة، والقمع الدموي، وإحراق المسلمين، أدى إلى قتل مئات الآلاف، وتهجير أكثر من مليون مسلم آراكاني من أراضيه، حتى وصفت الأقلية المسلمة في (بورما)، بأنها أكثر أقلية مضطهدة في العالم، من قبل منظمات حقوق الإنسان.
وما تقوم به عصابات (جيش الرب/ المسيحي) في (أوغندا)، من جرائم وفظائع، ليست بخافية على المطلعين. وغيرها من الجرائم والفظائع، التي ارتكبت في التاريخ القديم والحديث، فالإرهاب والعنف والقسوة، ليست حكرا على شعب دون آخر، أو فكرة دون أخرى، وإنما هناك أسباب وعوامل تجتمع، فتوجد وتخلق صفات القسوة والتوحش لدى الإنسان.
-----
الهوامش
1.    انظر: تجفيف مستنقع العبيد والجواري في القرآن الكريم، د. مصطفى الزلمي، ط1، أربيل، 2010، ص 70 - 71 .
2.    انظر: الكشاف (3 / 136).
3.    رواه أحمد والنسائي وابن ماجه والحاكم وابن خزيمة وابن حبان عن ابن عباس، كما في صحيح الجامع الصغير وزيادته (2680) .
4.    رواه مسلم في صحيحه .
5.    الرفق: هو لين الجانب بالقول والفعل، والأخذ بالأسهل، والدفع بالأخف. وقيل هو: اللطف وحسن  التصرُّف. وفي الأثر: منْ أمرَ بمعروفٍ، فليكُنْ أمرُهُ بمعروف.
6.    رواه البخاري في صحيحه.
7.    رواه الإمام أحمد، وهو حديث صحيح، الجامع الصغير ج1، 384 .
8.    رواه البخاري في صحيحه.
9.    رواه البخاري في صحيحه. الألباني - صحيح الجامع - 6269 - .
10.    انظر: الفتاوى، ابن تيمية: ج13 .
11.    انظر: حوارات قصي صالح الدرويش/ راشد الغنوشي، ص 26.
12.    المصدر السابق، ص 138 – 140 .
13.    المصدر السابق، ص 140 – 141 . .
14.    المصدر السابق، ص 28 .
15.    انظر: تجفيف مستنقع العبيد والجواري في القرآن الكريم، مصدر سابق، ص 56 .
16.    انظر: حوارات قصي صالح الدرويش، مصدر سابق ص 81 .
17.    انظر: تجفيف مستنقع العبيد والجواري في القرآن الكريم، (ص26 - 36)
18.    انظر: حوارات قصي صالح الدرويش، ص 81
19.    انظر: تجفيف مستنقع العبيد والجواري في القرآن الكريم، ص 55 و 69 – 70 .
20.    انظر: بدائع الصنائع، ج7، ص100 .
21.    انظر: الفروق، شهاب الدين القرافي، ج3، ص14.
22.    هناك كتب ومراجع في هذا الموضوع، منها: غير المسلمين في المجتمع الإسلامي: يوسف القرضاوي. الإسلام والسلام العالمي: سيد قطب. العلاقة مع الآخر في ضوء الوسطية في الإسلام: د. مريم آيت أحمد. علاقة المسلمين بغير المسلمين: د. سعيد إسماعيل صيني.
23.    اتفق جمهور الفقهاء بأن الجزية لا تؤخذ من النساء، ولا من الفقراء العاجزين عن الكسب، ولا من الرهبان المنقطعين في الصوامع. انظر: المسلم مواطنا في أوروبا، فيصل المولوي، من إصدارات الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، لجنة التأليف والترجمة، 1429 – 2008، ص 45 .
24.    نظر: فتاوى معاصرة، يوسف القرضاوي، المكتب الإسلامي، ط1، 1421هـ - 2000م، بيروت، ج2، ص 742 . المسلم مواطنا في أوروبا، ص 45 - 54.
25.    انظر: المنهج العلمي، المرحلة الثالثة، إعداد لجنة تربوية متخصصة، الطبعة الأولى، 1435- 2014، من إصدارات الاتحاد الإسلامي الكوردستاني، ص 119.
26.    الذمة: كلمة معناها العهد والضمان والأمان.
27.    انظر: فتاوى معاصرة: ص 742 - 743 . المسلم مواطنا في أوروبا، ص 56-57 و 60.
28.    أعلن تنظيم داعش الخلافة يوم 29/6/2014 ، وأصبح المدعو (إبراهيم عبود ابراهيم السامرائي) والملقب بـ  (أبو بكر البغدادي) خليفةً، حسب زعمهم.
29.    انظر: بيان الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين حول إعلان الخلافة من قبل تنظيم داعش، وكذلك بيان علماء بلاد الشام.
30.    علماً بأن الغالبية العظمى من الشعب الكوردي مسلم، وبنسبة لا تقل عن 97% في الإقليم.
31.    انظر: كتاب حوارات قصي صالح الدرويش/ راشد الغنوشي، ص 144.
32.    المصدر السابق، ص 80 .
33.    صناعة الإرهاب : عبد الغني عماد، دار النفائس، بيروت، لبنان، ط1، 1424هـ - 2003م، ص 13. 
34.    محاكم التفتيش: هي: "سلطة قضائية كنسية استثنائية" مهمتها اكتشاف مخالفي الكنيسة ومعاقبتهم، وضعها (البابا غريغوري التاسع)، لقمع جرائم البدع والردة، وأعمال السحر، وضد اليهود والمسلمين المتحولين، من القرن الثالث عشر إلى السادس عشر.  ومن الممكن التمييز بين ثلاثة محاكم تفتيش مختلفة، والتي لها بنود مستقلة:
35.    محاكم التفتيش في القرون الوسطى، التي تعرض على المحاكم الكنسية من قبل (البابا أينوسون الثالث)  1199م).  2) محاكم التفتيش الإسبانية، التابعة لملك إسبانيا، التي تأسست في 1478، والتي اعتمدت عليها محاكم التفتيش البرتغالية، ومحاكم التفتيش في المستعمرات الإسبانية والبرتغالية.  3) محاكم التفتيش الرومانية (مجمع لمحاكم التفتيش الرومانية والعالمي)، التي تأسست في 1542، والتي أعاد تسميتها في عام 1909 المجمع المقدس للمكتب المقدسة . وقد ألغيت في القرن التاسع عشر واستبدلت بالمجمع المقدس لشؤون العقيدة والإيمان في الفاتيكان، وتعتبر محاكم التفتيش من أكثر مؤسسات البشرية السيئة الصيت. ويكفي أن ننقل ما سطره (غوستاف لوبون) في كتابه (حضارة العرب)، حيث يقول عن محاكم التفتيش: "يستحيل علينا أن نقرأ دون أن ترتعد فرائضنا من قصص التعذيب والاضطهاد التي قام بها المسيحيون المنتصرين على المسلمين المنهزمين، فلقد عمدوهم عنوة، وسلموهم لدواوين التفتيش، التي أحرقت منهم ما استطاعت من الجموع. واقترح القس (بليدا) قطع رؤوس كل العرب، دون أي استثناء، ممن لم يعتنقوا المسيحية بعد، بما في ذلك النساء والأطفال، وهكذا تم قتل أو طرد ثلاثة ملايين عربي». وكان الراهب (بيلدا) قد قتل في قافلة واحدة للمهاجرين، قرابة مئة ألف، في كمائن نصبها مع أتباعه. وكان (بيلدا) قد طالب بقتل جميع العرب في أسبانيا، بمن فيهم المتنصرين، وحجته أن من المستحيل التفريق بين الصادقين والكاذبين، فرأى أن يقتلوا جميعاً بحد السيف، ثم يحكم الرب بينهم في الحياة الأخرى، فيدخل النار من لم يكن صادقاً منهم. يقول د. لوبون: «الراهب بليدي أبدى ارتياحه لقتل مئة ألف مهاجر من قافلة واحدة مؤلفة من 140 ألف مهاجر مسلم، حينما كانت متجهة إلى إفريقية". المصدر: ويكيبيديا، الموسوعة الحرة.
36.    الفاتيكان والإسلام، محمد عمارة، مكتبة وهبة، القاهرة، مصر، ط1، 1432هـ - 2011م، ص 104 .
37.    صناعة الإرهاب : ص 79 .
38.    الفاتيكان والإسلام: ص112 .

39.    التطرف الديني.. تبعاته وتداعياته المدمرة، مير عقراوي، مقالة منشورة في مجلة الحوار، وهي مجلة سياسية ثقافية عامة، يصدرها شهريا مكتب الإعلام للاتحاد الإسلامي الكوردستاني، السنة الثالثة عشرة، العدد 139 ، تشرين الأول 2014، ص 6-7.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق