الجمعة، 1 مايو، 2015

اليوم الذي صدمت فيه

د. كوردستان سالم آميدي
كثيرا ما نسمع عن المشاكل التي تعاني منها (رياض الأطفال) في مجتمعنا، من عدم توفر المكان والأبنية المناسبة، وعدم توفر المستلزمات التعليمية والترفيهية الضرورية لتهيئة الأطفال، واستيعاب هذه الرياض أكثر من طاقتها من الأطفال، بحيث تصبح الغرف مكتضة بالأطفال، وخاصة الأهلية منها، أو(الاستثمارية)، التي نضيف لها مشكلة التغذية، والأكل الصحي، التي تتعمد بعض الرياض الأهلية الزهد فيها، توفيرا للمال، وكسبا للمزيد من الربح.
من الواضح أن هذه المشاكل تؤثر على تحقيق الهدف الأساسي، الذي من أجله وضعت هذه الرياض، من حيث إعداد الأطفال، وتهيئتهم من الناحية الشخصية والاجتماعية والعلمية والفكرية والسلوكية لجو المدرسة، من أجل أن يتمكن الطفل من الاندماج والتأقلم مع الأجواء الدراسية، ويتمكن من المضي قدما
في تحقيق الرقي الشخصي، وبناء المجتمع، و...إلخ.
ولكني هنا أود أن أضيف مشكلة مهمة أخرى، قلما يشار إليها، ونادرا ما يتناولها الباحثون والمسؤولون والمعنيون برياض الأطفال، ألا وهي مشكلة الكادر المتخصص في تربية وإعداد أجيال المستقبل، حيث أنني قررت قبل أيام أن أذهب لزيارة الروضة التي تذهب إليها ابنتي الصغيرة هذا العام، من أجل مشاهدة البرامج والدروس التي تتلقاها، ومعرفة مستواها، وكيفية تفاعلها مع هذه الدروس، واندماجها في هذه البرامج والنشاطات المختلفة. ألا أنني تعرضت لصدمة كبيرة، تطلبت مني عدة أيام، من أجل تجاوزها قليلا، حيث كانت هناك معلمتان (دادة)، مشرفتان على الصف، أو ما يطلق عليه في الروضة اسم (غرفة)، أنا لا أنكر أن هاتين المعلمتين تحملان شهادات معترفة، ولديهن من المعرفة ما يؤهلهن لإعطاء دروس لأطفال الرياض، إلا أنني أجزم أنهما لا تتمتعان بأية قدرة على التعامل مع الأطفال، ولا تملكان أية مهارات للتواصل مع الأطفال. في البداية تعجبت أنني عندما دخلت الصف، وجلست في آخره، أن ابنتي جلست إلى جانبـي، فطلبت منها أن تجلس إلى جانب أصدقائها، ولكنها رفضت، وألحّت على أن تجلس بجانبـي، لقد رأيت بأعيني في ذلك اليوم ما لم أكن أتصوره، وما نطلق عليه اليوم مصطلح (العنف) بكل أنواعه، حيث لم تكن المعلمتان تجيدان سوى التهديد، والتنديد، والصراخ على الأطفال، ولم أر ابتسامة واحدة على وجهيهما، ولا كلمة تقدير، أو شكر، أو تشجيع، لأي طفل، والأدهى أن بعض الأطفال كانوا يطلبون الذهاب إلى الحمام، أو شرب الماء، إلا أنهما كانتا ترفضان ذلك، وتقولان ألم تذهبوا إلى الحمام قبل مجيئكم إلى الروضة؟! فقلت في نفسي: يا إلهي، إذا كنت حاضرة، وهما يتعاملان بهذه القسوة والفضاضة مع الأطفال، فكيف تتصرفان عندما تكونان لوحدهما مع هؤلاء الأطفال.
في الواقع شعرت بأسىً شديد، ليس لأجل ابنتي فحسب، وإنما لأجل كل أولئك الأطفال الأبرياء، الذين لا يعرفون كيف يعبرون عن أساهم ومعاناتهم مع أمثال هؤلاء المعلمات، ولأجل كل أولئك الأمهات اللاتي يعتقدن أن فلذات أكبادهن بأيد أمينة، ولأجل ذلك النظام الإداري والتعليمي، الذي لا يمتلك من المقومات ما يمكنه من تنشئة مربين ومربيات، أو منع غير المؤهلين من التأثير سلبا على تربية الأطفال في الرياض.
وتتجلى مشكلة الكوادر والمربين المتخصصة، في رياض الأطفال، في مسائل أخرى أيضا، من أهمها عدم التعامل مع الطفل على أنه شخص يستطيع أن يفكر، أو يقرر، لذلك فإن الأسلوب الشائع في تعليم الأطفال في الرياض، وحتى في المدارس، هو أسلوب التلقين. لذلك لا يتعلم الطفل كيف يفكر بالأمور، وماهيتها، وما يتعلمه، والأسباب وراءها، وتكوينها، و...إلخ، وإنما يتعلم أن يحفظ ما يلقنه إياه المعلم، دون معرفة السبب. ويأتي دور العائلة في مسألة تبجيل الدرجات العلمية، والتبجح بها أمام الآخرين. لذلك، فإن جلّ ما يتعلمه الطفل هو من أجل الحصول على درجات عالية، تسعد والديه، دون أن يكون مهما لديهم: ماذا تعلم طفلهم؟!
وفي النهاية، لا أريد أن أنسى دور معلمات رائعات، ومعلمين كفوئين، يقومون بأداء أدوارهم على أكمل وجه، وأن لا أنسى فضلهم في تربية أولادنا، وأمانتهم في أداء واجبهم، وهذا ما يخفف علينا وقع الوقوف على المشاكل التي ذكرناها سلفا.

وما يجب علينا فعله في هذه المواقف، هو ضرورة التعبير عن عدم رضانا بهذا الأداء، وإعلام المسؤولين والمهتمين، وأخيرا محاولة التغيير، لأنه لا جدوى من إثارة المشاكل دون طرح الحلول المناسبة..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق