الاثنين، 5 مايو، 2014

لقاء مع الدكتور بوشعيب الساوري:

د. بوشعيب الساوري
حاوره: بسام الطعان 
يبدو من نتاجكم النقدي أن اهتمامكم يتوزع بين السردي والشعري، وهذه فرصة لنا لكي نعرف القارئ العربي بكم، ونحاوركم حول السرد والشعر والكتابة وكذلك النقد، كيف تقيمون المشهد النقدي في العالم العربي راهناً؟
* هناك تجارب نقدية أكاديمية مهمة استطاعت أن تغني الساحة النقدية، على قلّتها، يمكن التنويه بها، والتي تحظى باحترام وتقدير، وقد صارت معروفة لدى الجميع، سواء عند الرواد، أو مع الجيل الحالي الذي أنتمي إليه. وهناك نقد المجاملات، أو النقد الاحتفائي، الذي يسيء إلى النصوص ويحنطها.
وعموما نلاحظ أن النقد العربي لا يتابع كل ما ينتج من نصوص، خصوصا في مجال الشعر والقصة القصيرة. فتظل النصوص أكثر من النقد. 

ـ هل استطاع الخطاب النقدي في العالم العربي أن يسهم في الحركة النقدية العالمية، وهل ثمة مَنْ يمكن الحديث عن إنتاجاته النقدية بعين الدهشة والتقدير؟
* ليس بالشكل المطلوب، مع بعض الاستثناءات القليلة، ونخص بالذكر أعمال الراحل (إدوارد سعيد) و(عبد الفتاح كيليطو) و(جمال الدين بن الشيخ)، و(فريال غزول)، نظرا لكونهم كتبوا بغير اللغة العربية، وغيرهم، ممن أنجزوا أطروحاتهم الجامعية بجامعات أوروبية، وأعمالهم تحظى بانتشار واسع وتقدير كبير، في الغرب والشرق. 
هناك عائق كبير يحول دون وصول النقد العربي إلى الغرب، وهو الترجمة التي تسير ببطء كبير، وخصوصا من العربية إلى اللغات الأخرى، والتي لا تعادل ما نترجمه إلى العربية في مجال النقد والدراسات الأدبية. وهذه عملية يجب أن نقوم بها نحن، ولا ننتظر الآخر أن يترجمنا، خصوصا وأنه الأقوى. 

ـ أنتم تشتغلون في المجال النقدي، كيف هو تواصلكم مع الاستراتيجيات النقدية، في مثل: السيميائية، والتفكيكية، والنقد الثقافي، وهل جنى النقد العربي الفائدة من هذه الاستراتيجيات؟
* هناك أمر هام في النقد والأدب، وهو أن النظريات لا تموت، وتتعايش وتتقاطع، على عكس ما يجري في العلوم الطبيعية. فلا يمكننا القول بأن النظرية الفلانية قد انتهت. وقد أنتج القرن العشرون العديد من النظريات النقدية: البنيوية، التفكيكية، نظرية التلقي، والنقد الجديد في أمريكا، ثم النقد الثقافي، والتاريخانية الجديدة، وهي نظريات تشهد على تطور النقد في الغرب. كما أن بعضها يفيد من الآخر، على الرغم من اختلاف أبستمياتها.
والملاحظ في الوطن العربي هو وجود هذه النظريات في الآن ذاته، ففي الوقت الذي نجد فيه دارسين انفتحوا على النقد الثقافي، والتاريخانية الجديدة، نجد هناك نقادا ما زالوا متمسكين بالبنيوية، والسيميائية. وهذا ليس عيبا، ولكن العيب هو الانغلاق داخل تصور نظري، واعتباره هو الأجدى والأجدر. فمثل هذه التصورات لا تقدم أي شيء للعمل الأدبي، وإنما تحوله إلى حقول للتجارب، وتحول النظرية إلى تمارين تطبيقية.
بالنسبة لتجربتي الأكاديمية، انفتحت على نظرية التلقي، والنقد الثقافي، والتاريخانية الجديدة، محاولا الجمع بينها، دون أن أقطع الصلة مع البنيوية. ففي كتابي (الرحلة والنسق/ 2007)، الذي درست فيه الأنساق الثقافية في القرن الهجري الرابع، زاوجت فيه بين نظرية التلقي والدراسات الثقافية. وفي كتابي (النص والسياق/ 2007)، الذي درست فيه نص (التوابع والزوابع) لابن شهيد الأندلسي، ربطت هذا النص بسياقه التاريخي والثقافي والنفسي والجمالي، مبرزا أن كل هذه العوامل تفاعلت في إنتاج نص التوابع. وانفتحت على التاريخانية الجديدة. فكل من نظرية التلقي والنقد الثقافي والتاريخانية الجديدة تتناول الظاهرة الأدبية في كليتها، ولا تقزمها في ما هو شكلي، وهو ما يمنحها خصوصيتها وأهميتها.

ـ هل يمكنكم أن تحدثوا القارئ عن استراتيجيتكم في القراءة النقدية، وكيف تقرؤون النص الأدبي؟
* تبقى العلاقة التي تربطنا بالنصوص علاقة استثنائية، وهي علاقة الحب التي تجمعنا بالنصوص. بالنسبة لي لا يمكنني أن أكتب عن نصوص لا أصل فيها إلى هذه العلاقة الحميمة. تلك العلاقة هي التي تجعل النص يمنحني مداخله القرائية، من خلال القراءات المتعددة المدفوعة بمتعة النص. فهناك نصوص قرأتها عشرات المرات، بحثا عن مداخل ومفاتيح يمكنني الدخول بها إليها، ثم الاستعانة بالمداخل النظرية المناسبة، بعيدا عن كل تعسف نظري، فالأولوية تبقى للنصوص. وكما تعلم، فالنظرية هي نتاج للتأمل في النصوص، فأول نظرية في تاريخ الأدب كانت لـ(أرسطو) في الشعر، نتجت عن تلقيه وتأمله في المسرح الشعري اليوناني.

ـ لننتقل إلى جانب آخر من اهتماماتكم، مثل: الكتابة، المتخيل، أرجو الكشف عن حدود هذين المصطلحين؟
* بالنسبة لي أفضل مفهوم الإنتاج على مفهوم الكتابة، لأن الأدب لم يكن يوماً حاصل الإبداع الفردي لكاتبه، بل يتكون من العلاقات المتشابكة والمتنوعة، التي ينسجها مع محيطه، ومع أنساقه، ومع متلقيه. وهي عملية تبدو معقدة جداً، لأن النصوص لا يمكن عزلها عن السياق العام الذي ظهرت فيه، فهي نتاج لعوامل داخلية وأخرى خارجية (المجتمع، التاريخ، المتخيل)، تتداخل فيها التجربة الشخصية للكاتب، والذوق العام، والمتلقي، والسياق الثقافي، برمته. 

ـ كيف تقيمون التجربة السردية (الرواية، القصة) في العالم العربي راهنا؟ حبذا لو أشرتم إلى بعض هذه التجارب؟
* لقد استطاع السرد العربي المعاصر أن يحقق تراكما مهما (رواية وقصة)، وبأشكال متفاوتة، من حيث القيمة الجمالية، وعلى مستوى التلقي. ويمكننا أن نشير إلى مجموعة من التجارب السردية الهامة، مثل: سليم بركات، حيدر حيدر، نبيل سليمان، الميلودي شغموم، محمد عز الدين التازي، محمد برادة، بهاء طاهر، إبراهيم عبد المجيد، إبراهيم أصلان، ويوسف أبو رية، علي بدر، رشيد الضعيف، فوزية سالم الشويش، سحر خليفة، محمد غرناط، صلاح الدين بوجاه، شعيب حليفي، عبد الله خليفة، الطاهر وطار، واسيني الأعرج، أمين الزاوي، عز الدين جلاوجي وإبراهيم سعدي، أحمد بوزفور، زكريا تامر.. واللائحة طويلة، والسياق لا يسمح بذكر كل الأسماء. فمن هذه الأعمال من عرف الذيوع والانتشار، وهناك من ظل مجهولا، لأسباب تتعلق بالتوزيع والنشر.
كما نسجل أن بعض الكتاب لقوا انتشارا واسعا، ليس بسبب جودة أعمالهم، وإنما بسبب بضاعتها الجنسية، التي تقود إلى المنع، فيرتفع الطلب عليها.

ـ يلاحظ ـ وأرجو ألا تتحسس من السؤال ـ أن الظاهرة النقدية في المغرب العربي تتفوق على الظاهرة الإبداعية، كيف تفسرون هذا الأمر؟
* أنا لا أفضل مثل هذه التقسيمات والتصنيفات، فعندما نتحدث عن الغرب، لا نقول: الشمالي، أو الغرب الجنوبي، أو الشرقي.
وجوابا عن سؤالكم، هناك تطور مهم في مجال النقد في المغرب العربي لا يمكن إنكاره، وذلك راجع إلى الانفتاح المثمر على النظريات النقدية الغربية، التي ظهرت في القرن العشرين، بالإضافة إلى المسعى الداخلي لتطوير النقد العربي، وتخليصه من الانطباعية. وقد ساعدت الجامعة على ذلك، بفضل جيل مهم، كان له الفضل في التراكم النقدي الهام الذي تحقق.

ـ ما السبب الذي قادكم إلى تخصيص كتاب لقراءة المحكي الشعري عند الروائي والشاعر سليم بركات؟
* (سليم بركات) روائي استثنائي في السرد العربي، وذلك لعدة اعتبارات: منها أنه كوردي، ويكتب بعربية جميلة، ولأنه كاتب متفرغ للكتابة، ولأنه يزاوج بين إنتاج الشعر والإنتاج الروائي. فتجده في رواياته شاعرا، وفي شعره ساردا ممتعا. فعندما قرأت أول عمل له، والذي أبهرني كثيرا، وهو (معسكرات الأبد)، الرواية التي قرأتها أكثر من عشرين مرة، وسأعيد قراءتها، تبين لي بالفعل بأنه فريد من نوعه. وهو ما قادني إلى تخصيص كتاب حول تجربته، تبرز هذا التعدد الخلاق لديه، من خلال تلمس تأثير الشعري في إنتاج الروائي وتفاعلهما.

ـ سؤال أخير.. كيف تنظرون إلى الحركة الثقافية في المغرب العربي، وفي المشرق العربي: هل تتقدم إلى الإمام، أم تتقهقر؟
*هناك تقدم، لكنه بطيء، لا يعادل التقدم الشكلي التحديثي الاستهلاكي، الذي نعيشه، والذي غزا بيوتنا، وما يتيحه من إمكانات للكسل والتواكل، وانتظار ما ينتجه الآخرون.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق