الثلاثاء، 6 مايو، 2014

التطور الدلالي لمفهوم الشرق في التصور الغربي

أ.م. د زاهدة الشيخ محمد طه المزوري
جامعة دهوك
1- في مفهوم المصطلح:
المصطلحاتُ ألفاظٌ مكثفة تعبر عن موضوعٍ أو فكرة، سيان كان هذا الموضوع عينٌ لشيء، أم وصف لمنهج. ويتم اختصاره بلفظ دالٍ عليه. وهذا يعني أن المصطلحات مقارَبة خطابية تكثّف المعنى، وتختصره.
والمصطلح اسم يتواضع عليه الناس ويتفقون. ويأخذ المصطلح صفةَ القوة والرصانة، حين يصدر عن مختصين أحاطوا بمدلوله ومرامية.
وتنقسم المصطلحات بعامة إلى أربعة أقسام(1): 
1- مصطلح له متشابهات لفظية وعلاقات وقرائن مع أصلٍ لغوي، سواء كان هذا الأصل فعلاً أم وصفاً أم اسماً. 
2- مصطلح منقول عن لغة أخرى وثقافة مغايرة.
3- مصطلح استحدثه مفكرون معاصرون، أو مجامع علمية، أو لغوية.
ولأن بعض الدارسين يؤمن بالقيمة التاريخانية للمفاهيم، في مجال الدراسات الإنسانية بعامة، فهم يشددون على ضرورة الربط بين المعنى اللغوي وبين المعنى الاصطلاحي للفظ، لاعتقادهم بأن ثمةَ علاقة وامتداد مستمر لكلا المعنيين اللغوي والاصطلاحي، وهذا لا شك صحيح، لكنه يبقى نسبيّ الأثر.
وعليه فليس بالضرورة أن نجد علاقةً قطعية شاملة بين مصطلح (شرق)، وبين الأصل اللغوي، الذي حاول النقاد والباحثون إرجاعه إليه. لكن الصلة قائمةٌ بمستوى معين، نظراً للتشابه بين المعنى اللغوي وبين المعنى الاصطلاحي، مع وجود شواهد نصية أو إحالات مبكرة لاستعمال المصطلح من لدن أشخاص معْنيين.

2- في مفهوم الشرق:
الشرق على وفق معاجم اللغة العربية تعني "شرَقَ المكان: أشرقت عليه الشمس"(2)، وأصل لفظة الشرق الغربيٌّ لاتيني المصدر، مأخوذ من Oriens، وتعني: الشروق، فإذا كان الغرب هو الموقع الجغرافي حيث تغيب الشمس، فالشرق هو المكان المقابل له"(3). 
وما خلا التفسير اللغوي، فالباحثون الشرقيون يتتبعون جذور المصطلح في الغرب وتاريخه، لذلك فمن العسير الوصول إلى نتائج حاسمة في تحري تاريخ المصطلح وجذره الحقيقي، ما لم يكن هناك دراية وخبرة في الترجمة أولاً، وفي المعرفة بتاريخ الغرب وثقافته ثانياً.
وإذا وقفنا أمام المدلول الاصطلاحي لـ(شرق / غرب) نجد المفهومين قد استمدا تسميتهما من فاصل واحد بينهما، ألا وهو المكان، بدلالة الشمس؛ من حيث شروقها وغروبها. 
ولما كان مصطلح (الشرق) جاء ليعبرَ عن الموقع، من حيث شروق الشمس وغروبها، ومن حيث الموقف الجغرافي، فهو من جهةٍ ثانية اتخد من التباين الزمني أحدَ الفواصل الأساسية لتميز العالَمين الشرقي والغربي، وتحديد موقعهما من التاريخ، وعلاقته بسياق التطورات الحضارية، تلك السياقات التي تناولها فلاسفة الغرب ومستشرقوه. بمعنى أن التمييز بين الشرق والغرب تجاوز التصنيف الجغرافي، وتحول إلى مدلول حضاري ذا أطر عرقية واعتقادية.
ومع ذلك، فإن للغربيين أنفسهم تصورات مختلفة عن معنى الشرق، وخصوصا المثقفين خارج الأطر السياسية والمؤسسات الاستشراقية.
وهذه الاختلافات نابعة من تصور معنى الشرق ذاته، كما يشير بارت: "فالشرق بالقياس إلينا نحن الألمان، يعنى العالم السلافي، الواقع خلف الستار الحديدي، كما كان يسمى في الماضي، وهذه المنطقة يختص بها علماء بحوث شرق أوروبا، أما الشرق الذي يختص به (الاستشراق)، فمكانه جغرافيا في الناحية الجنوبية الشرقية بالقياس إلينا"(4).
إذن فقد تطوَّرَ معنى الشرق الجغرافي على وفق الدلالة الغربية بفعل تحولات سياسية، واتخذ سعة تختلف عن المعنى الأول. حيث كان موقع البحر المتوسط في العصر الوسيط - والذي يقع في وسط العالم الجيوسياسي - هو الذي يحدد ما هو شرقي أو غربي، فكانت الجهات الأصلية تحدد بالنسبة إليه. ومعنى هذا أن الشرق الحالي هو شرق البحر المتوسط آنذاك، وهو لدى العالم الغربي يميل موقعه إلى الجنوب. ويعلق بارت على هذا بقوله:
"لما انتقل مركز الأحداث السياسية من البحر المتوسط إلى الشمال، وبقي مصطلح الشرق برغم من ذلك على الدول الواقعة شرق البحر المتوسط، كذلك تعرضت لفظة الشرق في أعقاب الفتوحات العربية الإسلامية لتغيير آخر في معناها. أو إذا شئنا دقة أكثر تعرضت لاتساع في نطاق مدلولها(5). 
ونظراً لعلاقة دلالة الشرق بمفهوم الاستشراق، باعتباره منهجاً لوصف الشرق، أو الكشف عنه، أو تصنيعه في الأخيلة الغربية، وبناء على ما تقدم أيضاً فمن المفيد الإشارة سريعاً إلى أصل الاشتقاق اللغوي للفظة استشرق. فمصطلح (استشراق) في الأصل غربيٌّ وافد، دخل إلى العربية عن طريق الترجمة، فمن غير المجدي تحرِّي جذوره الفيلولوجية فيها.
وللاستشراق تعريفات كثيرة متضاربة لدى الغربيين أنفسهم، فنجد مثلاً المستشرق البريطاني (جون آرثر آربري)، يتجاوز المعنى اللغوي لمصطلح استشراق، ويفسر المفهوم مباشرة، آخذاً بما ذهب إليه (قاموس أكسفورد)، إذ يعرف (المستشرق/ Oreintalist) بأنه: "من تبحر في لغات الشرق وآدابه"، ويقول معقباً: وهذا يفرض علينا أن ندع لآخرين أن يكتبوا عن ذلك الجم الغفير من ذوي الشهرة والصيت، الذين عرفوا الشرق معرفة جيدة، والذين استلهموا أدباً بديعاً، ولكنهم خرجوا عن حد التعريف السابق، فلا يستطاع تسميتهم مستشرقين(6). 
المستشرق إذن بحسب (آربري) شخص ذا دراية بالشرق، وراسماً، وواصفاً له، ومحللاً لحضارته وتراثه.
بينما نجد (إدوارد سعيد) يكشف عن علاقة أخرى بين الشرق والمستشرق، مبيناً أن "الاستشراق حركة علمية، لها نظير في عالم السياسة، النزَّاعةِ إلى احتواء الشرق، والاستحواذ عليه، ولم يعد الشرق في هذا المجال محاوِراً لأوروبا، بل هو الآخر الصامت؛ إذ تحول التاريخ الشرقي منذ نهاية القرن الثامن عشر - حين أعادت أوروبا اكتشاف الشرق- ليصبح أنموذجاً للأصالة والقِدم، وهما الميزتان اللتان جذبتا عنايةَ أوروبا لمحاولة التعرّف عليه، والاعتراف به ابتداء، لكنها ما لبثتْ أن ابتعدت عن هذا، حين بدا أنها، بتطورها الصناعي والثقافي والاقتصادي، قد تجاوزت الشرق بمراحل كبيرة... متخذةً موقفَ هيجل ونتيشيه واشبنجلر، ذا الطابع الأوروبي المركزي، الذي جعل من الشرق مجردَ منطقة مغرقة في القدم ينبغي تجاوزها، وهذا ما نجده حتى في أدبيات مؤرخي الأدب، إذ اتخذوا مساراً تغريبياً، يرى أن الشرق قد تخلى عن عظمته السابقة، وفارق أهميته التاريخية، لترِثها الروحُ العالمية المتوجِّهة نحو الغرب، بعيداً عن آسيا"(7). 
ومن هنا يدخل العامل الفلسفي والحضاري في تصنيف الشرق، لتجعل أوروبا نفسها غرباً مفارقاً للشرق، وفي نفس الوقت وريثة لحضارة أخرى، هي أقرب إلى الشرق منها إلى الغرب، ونعني بها حضارة اليونان، بوصفها كياناً متفوقاً.
من هنا يجري تحليل وتصنيف حركة التاريخ بين شرق وغرب، متمثلاً بالعزل الإجرائي لعالمين مختلفين في الثقافة والعرق والدين، وهو على الحقيقة تصنيف مشحون بالبعد الانثروبولوجي المتخفي تحت دِثار فلسفة التاريخ والحضارة، وتحت غطاء صوفي مشحون باستقطاب مركزي. 
ودعماً لرؤية (سعيد)، نذكر نموذجاً يعمل على تكثيف المعنى المركزي للغرب على حساب الشرق، ويتمثل هذا النموذج بالفيلسوف الألماني (فردريك هيغل) (1770-1831)، الذي يرى "أن تاريخ الكون يمتد من الشرق إلى الغرب: "لأن أوروبا هي النهاية، وآسيا هي بداية التاريخ ... وبالرغم من أن الأرض كروية، فإن التاريخ لا يصف حلقة تحيط بهذه الكرة، فلها شرق محدَّد يقع في آسيا، حيث تشرق الشمس الخارجية والطبيعية، وفي الغرب تغيب، وفي هذا (الغرب) تشرق في المقابل الشمس الداخلية للوعي بالذات، والتي تنشر بريقاً عالياً"(8).
لكن (هيغل) لم يقل الحقيقة كاملة، حيث أن الغرب الأوروبي لم يكن غرباً بالنسبة لليونان، هذا فضلاً عن كون اليونان كانوا يعدّون الغرب الأوروبي مكاناً للبرابرة الهمج. وفات (هيغل) أيضاً أن يذكر أن أوروبا الغربية كانت عنوان التخلف والتراجع الحضاري إبان شروق شمس الحضارتين اليونانية ثم الإسلامية، فأين كانت إذن الشمس الداخلية للوعي الأوروبي آنذاك؟!
إن البداية التي قال بها (هيغل) عن الشرق تحمل معنى الطفولة والألق الخيالي، الذي يعده - ومن باب خفي - مرحلة حتمية، كان على البشرية تجاوزها، وهي لا شك دون النهاية. وتشكُّل البداية لم يكن حضوراً خطياً متوازياً، بقدر ما كان حضوراً زمنياً تطورياً. فالشرق كان يحمل معنى الأبوة، لكن البنوَّة الغربية، حين تم لها التمكّن، تنصلت من أبوة الشرق، لتضع نفسها في محل تلك الأبوة إجرائياً.
ويرى (تييري هنتش) أن الشرق يشكل النقيضَ المباشر للغرب، فهو مفهوم خال من الحدود الدقيقة، مفهوم قادر على استيعاب كل ما يتبقى من العالم، ما خلا ما يعده الغرب امتداداً له(9).
وبمعزل عن التصنيفات الفيلولوجية والجغرافية، تحول مصطلح الشرق والغرب إلى أداة لتمييز التناقض والتعارض الحاصل بين هذين العالمين، خاصة وأن المصطلحات تعد أداة للتعبير عن بعض المظاهر، وتغييب أخرى، ومنها مصطلَح ثنائية (الشرق والغرب)، اللذان غدا كل منهما: "أداة لاختزال تعقدات وتنوعات لا نهائية"(10). 
ومن الملفت للنظر أن العناية الغربية بعالم الشرق ذات جذور وأبعاد تاريخية موغلة، "فالمستكشفون والمفكرون الغربيون سعوا إلى استكشاف الشرق، والالتقاء به، ودرسوه واستوعبوه، وعمدوا بالتناوب على تتويجه ليحتل عرش الديانات والخيال الثقافي للغرب. ونجد في المقابل أن الشرق لم يسعَ خارجاً إلى الغرب بالطريقة نفسها، إذ لم يحاول أن يحتل أراضيه، أو أن يتعلم منه، أو أن ينحني راكعاً أمامه"(11).
وعلى هذا يبدو الخلاف الحقيقي حول ما كان قد بدأ كموقع جغرافي، اتخذ لاحقاً طابعاً أيديولوجياً(12). فالغرب لم يكن "نقيضاً للشرق، بقدر ما كان خليفته الإلهي. كان فجر التاريخ في الشرق، ولكن نضوجه كان في الأراضي المسائية للغرب، وتبع التفسخ الشرقي التجدد الغربي"(13). لكننا لا ندري أي نضوج إلهي، أو لنقل: ديني، تم في الغرب، مقارنةً مع الأصول الشرقية. وهل نضجت المسيحية حتى بعد قرن من زمن القديس (أوغسطين) - منظّر المسيحية الأكبر - إلا في الشرق.
إن هذا التفسير العرقي، ذو الإطار الصوفي المثالي، والذي ينطلق منه (هيغل)، ينقضه (نيتشيه) نقضاً حاداً، مبيناً أن التدمير الحقيقي للشخصية الإنسانية لم يتم إلا على يد الغرب نفسه، وريث الإمبراطورية الرومانية العرقية، يقول: "حطَّمتْ المسيحية موسم الحصاد للحضارات القديمة، وبعد ذلك دمَّرت موسم الحصاد في الحضارة الإسلامية، وداست على ثقافة رائعة للمورسيك والتي كانت أقرب إلى حواسنا وأذواقنا من روما واليونان، لماذا؟ لأن هؤلاء كانت لهم غرائز نبيلة، ومصدر رجولةٍ مقبلةً على الحياة بإيجابية، مؤكدةً معنى الحياة بغرائز أرستقراطية، وفخامة نادرة، طبعت حياتهم! ... وكان على الصليبيين أن يرتموا فوق تراب هذا التمييز، لكنهم اعتبروا الأمر مجرد غنيمة. وهذه الحضارة (أي الإسلامية) تم تجاهلها حتى في قرننا التاسع عشر، والذي يبدو فقيراً شائخاً أمام ذلك الغنى والتميز(14). 
وإذ نذكر هذا التأويل النيتشوي فليس بغرض التسليم بمراميه، بقدر ما هو تبيان للوجه الآخر من التصور حول الإرث الديني أو الإلهي، الذي يراه البعض ميزة للغرب، والذي يرسخه التفوق المادي والتقني.

تصنيع التمايز تحقيقا للمركزية الغربية: 
إن التقسيم القديم للعالم إلى شرق وغرب، حمل معه - ومنذ بداياته الأولى - المكامن الداخلية لعوامل التنافر والاختلاف بين هذين العالمين، قديماً وحديثاً، وإنْ كان المتحكم بعوامل ذلك التنافر والاختلاف، هو التباين الداخلي بين مستويات التحضر والتقدم، الذي يحمله كلاهما. 
وسنرى أن التمكن والقوة هما الخطاب الذي هيمن على صنع التصورات والتراتب والتفاضل، الذي يحدد المفاهيم بأكثر مما تحدده المعطيات العلمية.
إن هذا التراتب وليد عوامل ومؤثرات نفسية واجتماعية معقدة، وموغلة في حياة البشر بعامة. وهي ترتبط بحسب (كانط) بإرادة الحياة، في حين يؤولها (نيتشيه) تأويلاً خطيراً يتعلق بإرادة القوة. ويعني بها إرادة بسط النفوذ والهيمنة. ودافع الهيمنة هو الذي صنّع، ومنذ وقت مبكر، فكرتي التفاضل والتراتب والتفوق القِيْمي، ومن ثم راح يبحث له على الدوام عن مسوغات أخلاقية، أو دينية، أو عرقية، لتبرير سطوته، واختراع المرجعيات ذات الأصالة والرفعة إليه، كما يفعل الغرب حين يدعي أنه وريث الحضارة اليونانية.
ومن هذا المنطلق، حاول الغرب رصد الشرق، وجعله محوراً لدراساته، لا سيما بعد أن وجد نفسه في موقف الأقوى، الذي يميزه عن الشرق، الذي صار متأخراً عنه، وغدا الشرق على هذا النحو بؤرة لدراسات ذات خصوصية، اشتقت من العنوان نفسه.
إن دراسة قصديات عملٍ ما أمرٌ مختلف عن دراسة المعطيات المنجَزة، فالقصديات ليس بالضرورة تحمل في أدواتها ونتائجها طابع السلب والتشويه والإساءة، لأنها تريد أن تقدم لنفسها هي معطيات علمية صحيحة إلى حد ما، وموجهة إلى بيئتها هي، لا إلى بيئة الآخر قيد الدراسة. 
وعليه فالبراءة القصدية شيء، والبراءة الإجرائية شيء آخر، فالقصدية لا تخون نفسها، وهي تتحرى النتائج العلمية والمعطيات البحثية، التي تتحرّاها بدافع أخلاقي وموضوعي، بل تريد استكشافاً مقارباً للحقيقة العلمية التي تستفيد منها، بوصفها قوة وسلطة يجري استثمارها. لذلك يكون درس القصدية شيء، ودرس قيمة المعطى العلمي لموضوعٍ ما، شيء آخر.
ومن هنا نجد (إدوارد سعيد) يحمل الموضوع الاستشراقي الاستكشافي المبكر ذاته، تبعاتٍ تتجاوز جهوده البحثية والعلمية، ليؤسس لمرتكزات تقع ضمن النزوع السياسي والعقائدي، على حد كبير، والاستشراق نفسه " كان ميدانا مختصا بالتفاصيل الشرقية، حيث تبدى من خلاله الحضور الشرقي (النصوصي)، بكل ما عبرت عنه من دقائق الحياة، وهنا تتكشف سطوة الاستشراق، عبر احتكار حق التفسير، وإبداء الأحكام، عبر الادعاء المنهجي العلمي، وطلب الحقيقة"(15).
والأمر لدى (سعيد) لا يقتصر على الكشف، والمعرفة لذات المعرفة، بل المعرفة لأجل تحقيق الهيمنة، وإعادة التصنيع للمفهوم الشرقي في التصور الغربي. وهذا التصور يجده (سعيد) متحدداً بجانبين:
الأول: كان الشرق دائماً الموضوع الصامت، الذي تم عرضه، أو تخيله، أو دراسته.
الثاني: إن الدراسات الغربية، والأبنية التخيلية والفكرية للشرق، هي إلى حد ما نابعة من خارج الشرق نفسه(16).
وموضوع الاهتمام الغربي بالشرق، وظهور النسق الأكاديمي ذا الخطاب العلمي، كان تمثيلاً طبيعياً لنتاج الخيال الغربي، الذي كان يعيد باستمرار إنتاج الشرق، ويكون صورته للطرف الآخر (الغرب)، وذلك طبقاً لاختراع كان جاهزاً ومنمطاً في خطابٍ مهيأ، من أجل القراءة والاستيعاب، أكثر من انتمائه إلى الواقع والصيرورة السوسيولوجية المتغيرة، لذلك تحوَّل إلى شفرة ترسم مساراً ارتدادياً، ليعيد مجدداً إنتاج تلك الشفرة، بالعودة إلى أصول الخطاب، المتمثل بالاستشراق وأقلام المستشرقين(17).
وهكذا نرى أن عنصر عدم (البراءة) - حتى في أدق الممارسة الكشفية والموضوعية لجهد الاستشراق - يبقى الجانب الأكثر بروزاً في تشكيل معنى الاستشراق نفسه.
ويكثف (هنتنغتون) أخيراً كل ذلك بصدام محتمل للحضارات، مختصراً كل الفلسفات وفلسفات التاريخ، التي رسخت التباين بين الشرق والغرب، لكنه يبرر هذا باختلاف الثقافات وتقاطعها، لا بسبب إلحاح الغرب على، وتمرير، المركزية الغربية، التي ما لم يجر توجيه الثقافة العالمية صوب اتجاهات أكثر سلمية، وأقل عرقية، وأوغل في الهاجس الإنساني، فإنها بالفعل ستكون حالة صدام متوقع لا محيد عنه. 
--------------
الهوامش:
1- المدخل إلى الاستشراق، حسين يوسف، فارس عزيز المدرس (العراق: دار ابن الأثير، 2011). 
2- المعجم الوسيط (القاهرة: مجمع اللغة العربية،1960)، 1/480.
3-French and British Orientalisms. Lisa Lowe,pp.32
4- الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الألمانية، .رولان بارت، ترجمة: مصطفي ماهر، ص ١١/ 12. 
5- المصدر السابق.
6- المستشرقون البريطانيون، جون. آرثر. آربرى، ص٧.
7-orientalism Reconsidered.Edward W. Said. pp. 89-107.
8- الشرق الخيالي، تيري هنتش، ترجمة: مي عبد الكريم (دار المدى للطباعة والنشر، 2006)، ص278.
9- الشرق الخيالي، ص15.
10- التنوير الآتي من الشرق جي.جي.كلارك، ترجمة: شوقي جلال (الكويت: عالم المعرفة، 2007)، ص24.
11- المصدر السابق، ص35. 
12-French and British Orientalisms. Lisa Lowe,pp.32
13- ينظر: تفتت الشرق الأوسط، جيرمي سولت، تاريخ الاضطرابات التي يثيرها الغرب، ترجمة: صبحي الطويل (دار النفائس، 2001)، ص24.
14-The Antichrist. F. W. Nietzsche , Serenity Publishers, LLC (February 20, 2009) . Kapitel 61.
15- إدوارد سعيد، العالم والنص والقارئ (منشورات اتحاد الكتاب العرب، 2000)، ص230 وما بعدها.
16- إدوارد سعيد، الاستشراق، ص101.
17- الشرق الخيالي، ص8.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق