الثلاثاء، 6 مايو، 2014

من معالم الخطاب الإسلامي الإصلاحي

بقلم: صبحي الداودي
الذي أفهمهُ من الخطابِ الإسلاميِّ الإصلاحيّ هو أنه كُلُّ وسيلةٍ أو آليّة يوظِّفها دعاة الإسلام سواء أكانوا أفراداً أو هيئاتٍ أو أحزاباً إسلاميَّةً في نقلِ أفكارِ الإسلام ومبادئه إلى واقعِ الناس والحياة. قد يكون هذا الخطابُ محاضرةً أو ندوةً أو كتاباً أو منهاج حزب أو رسالة جامعيَّة، وقد يتجلّى في موقف فردٍ أو جماعةٍ على شكلِ حوار، وكثيراً ما تكون طريقة بسيطة لكنّها تكون أقوى وأبلغ خطاب.

أنموذج رائع من الخطاب الإسلاميّ الهادِف
لقد قرأتُ عن الكثيرين واستمعتُ إلى الكثيرين، ودخلتُ في نقاشٍ مع الكثيرين، فلم أجِدْ حواراً إسلاميَّاً أروع في ألفاظهِ وأبدع في معانيه، وأبلغ في وقعهِ، من الحوار الذي دار بين قائِد الفرس في (معركةِ القادسيَّة)، وبين رجلٍ مِنَ المجاهدين اسمهُ (ربعيّ بن عامِر) جاء إلى معكسر الفرس بمهمّة تفاوضيّة بتكليفٍ من قائِد المسلمين سعد بن أبي وقاص (رضي
الله عنه). قال قائِد الفرس: ما الذي جاءَ بكم إلينا؟ فأجابهُ ربعيُّ بن عامِر قائِلاً: الله ابتعثنا لنخرجَ مَنْ شاءَ مِنْ عبادةِ العبادِ إلى عبادةِ الله، ومِنْ ضيْقِ الدنيا إلى سعتها، ومِنْ جَور الأديان إلى عدلِ الإسلام.
بهذهِ الكلماتِ الوجيزة التي تُغْنِي عن المجلدات حقّق وحدّد ربعيُّ بن عامِر (المفاوِض) الإسلاميّ، ما يجب أن يتحلّى بهِ الخطابُ الإسلاميُّ من عمقٍ في الفكر، وقوّة في التأثير، وسعة في الفهم، فهو خطاب المسلم بالأمس وخطابهُ اليوم، وسيكون هو خطابه غداً.
قد تتغيَّرُ آليّةُ التعبير عنِ الخطابِ الإسلاميِّ الإصلاحيّ من جيلٍ إلى جيل، ومن بلدٍ إلى بلد، وقد تختلفُ لغتهُ والمواضيع التي يتناولها، ولكن ستظلُّ المعاني القرآنيَّة السامية هِيَ وراءَ الخطاب.
على حملة الخطاب الإسلاميّ أن يحيطُوا خطابهم بفهمٍ واضِح ودقيق
ألقى أحدُهم كلمةً في جمعٍ مِنَ النّاس، ولَمَّا لم يجِدْ على وجُوهِ القومِ فهماً لكلماتهِ وما كان يقصدهُ، عاتبهم بقولهِ: "لِمَ لا تفهمُون ما يُقال؟ فردَّهُ القومُ بكلامٍ بليغ جدّاً، فقالُوا: لِمَ تقولُ ما لا يُفْهَم؟! 
لذا فعلى الخطاب الإسلاميِّ الإصلاحيّ - من أجلِ أن يُحقِّقَ هدفَهُ ويصيب غايته - أن يكون واضِحاً وشفّافاً في أذهانِ القائمين وراءَ الخطاب، وفي أذهانِ مَنْ يُوَجَّه إليهم الخطابُ، وأن يكون بعيداً عن التعقيدِ والغموض والالتباس والدوّاماتِ الفكريّة التي تُخْرج الخطابَ الإسلاميَّ عن المسارِ المرسُوم له.
فعلى أصحابِ الخطابِ الإسلاميِّ الإصلاحيّ أن يعرِفُوا جيِّداً أنهم يعيشُون في غابةٍ مِنَ المؤامرات والمخطّطات المعادية، وأن هناك منظماتٍ وهيئاتٍ موظّفة تعملُ ليلاً ونهاراً ضِدَّ الإسلامِ وخطابه، حتّى إن هناك مَنْ يُحارب الإسلامَ باسمِ الإسلام، لذلك لا بُدَّ أن يضعُوا في حسابهم أن خطابَهم مُحَارَبٌ بشدَّة، ومُرَاقَبٌ بدقّة، وأن كُلَّ كلمةٍ مِنْ كلماتهِ، وكُلَّ موقفٍ مِنْ مواقفهِ، يمرُّ من خلالِ سلسلةٍ مِنَ النقدِ والتجريحِ، وتواجِهُ المزيدَ مِنَ الطعنِ والهجُوم.
من هنا يجب على كُلِّ مَنْ يقفُ وراءَ الخطاب الإسلاميِّ الإصلاحيّ أن لا يَدَعُوا في خطابهم ثغرةً واحدة يتسلّلُ منها المتربِّصُون فيدسُّوا أنوفهم فيه، ويحولُون دون وصُولهِ إلى مَنْ يحتاجهُ بالشكلِ الصحيح. كما أن عليهم أن يبتعِدوا عن حشرِ شخوصِهم وآرائِهم الخاصّة وتطلعاتهم الذاتيّة في الخطاب، فيُصبح عندئذٍ ميداناً ومادّةً للمهاتراتِ الشخصيَّة، فينأى بذلك عن هدفهِ المنشود في الإصلاح والبناءِ والتغيير.
وعلى القائِم بحملِ الخطابِ الإسلاميّ أن يعرفَ أن قولَهُ: (لا أعرف)، عن كُلِّ استفسارٍ وتساؤلٍ عن الخطاب، أو التلكؤ في الجواب، إنما هو دليلٌ على فشلِ الخطابِ في أداءِ مهمّتهِ، قبل أن يكون علامةً على إخفاقهِ وجهله!
عندما رفعَ المسلِمُون شعارَهم الخالِد: (المسلمون دون شروطهم)، كانوا يعلمُون أن كُلَّ واحدٍ منهم قدِ استوعبَ مهمّته وأحاطَ عِلماً بدقائقِ الخطاب الإسلاميّ، وأنه أصبحَ سهماً لا يخطئ في قَوْسِ هذا الخطاب.
ومِمَّا يُؤْسَفُ له أنَّ المسلمَ المعاصِر لم يعد مستوعِباً للخطاب الإسلاميِّ الإصلاحيّ، ولقد تكلّم الداعية الأديب الشيخ علي الطنطاوي (رحمه الله) - في أحدِ كتبهِ - بطريفةٍ عن هذهِ الحالةِ قائلاً: في إحدى المعارِك التي دارتْ في منطقةِ البلقان، أمسكَ أحد جنُود الجيش العثمانيّ برقاب جنديّ من جنُودِ أعداءِ الله، فصرخَ بوجههِ قائِلاً: "أسلمْ، فقالَ لهُ الجنديّ المغلوبُ على أمرهِ: ماذا أقول حتّى أُصبحَ مسلِماً؟ فقالَ لهُ الجنديُّ المسلِم: وما أدراني أنا؟

الخطاب الإسلامي الإصلاحيّ أن لا يهبط من عليائه
على أصحابِ الخطاب الإسلاميّ أن يحرصُوا على أن يبقى خطابَهم في عليائهِ وسموِّ مكانته وقدسيَّة دوره، وأن لا يهبطَ إلى درك المنافِع الذاتية والكسب الحزبيّ، فيكون بذلك طعماً للقنص والاصطياد، لا طريقاً إلى الهدايةِ والإرشاد.
هناك فرقٌ كبير وبون شاسِع بين مَنْ يُقدِّم الإحسان، ويدعُو إلى الإصلاح، لأنه محسنٌ ويحبُّ الإصلاح، وبين مَنْ يتصنَّع الإحسان، ويدَّعي الانتسابَ إلى قافلةِ المصلحين، والقافلةُ منه براء.
لذلك لا بُدَّ للخطابِ الإسلاميِّ الإصلاحيّ أن يكون وراءَهُ (دعاة) لا (مدّعين)، وأن يتبنّى ريادته أهل الإحسان والإصلاح، حتى يستطيع تحقيق الإصلاح في النَّاس، ونشر رايةِ الإحسان على جميعِ مرافقِ المجتمع.
فالخطابُ الإسلاميُّ الإصلاحيُّ هو ضرورةٌ مِنْ ضروراتِ حياةِ النَّاس، وحاجةٌ ملحّة من حاجاتِ أُمَّةِ الإسلام، التي أصبحتْ بكُلِّ أسف أمَّةً يتيمة، لذلك فإنَّ كُلَّ مَنْ يحاول أن يحولَ بين هؤلاءِ اليتامى وبين تمتعهم بضروراتِ وحاجاتِ الحياة، فهو أشدّ إجراماً من آكلي السُحتِ وأموالِ اليتامى.
ومن هنا يستوجِبُ على أصحابِ الخطابِ الإسلاميِّ الإصلاحيّ دراسة واقع المسلمين دراسةً علميَّة وموضوعيَّة، بعيدة عن الارتجال والتسرُّع والعاطفة، حتى يتطلّعوا على أماكن الخلل والضعف، فيعملُوا على تلافيها بطرق واقعيَّة، كما يجب عليهم أن يتعرَّفوا على مواقِع القوّة، فيتخندقُوا فيها، ليتوثَّبُوا إلى أماكِنَ متقدِّمة في الإصلاحِ والتغيير.

عصرنة الخطاب الإسلاميّ الإصلاحيّ ضرورة دعويّة
يختلفُ الإسلام بوصفهِ ديناً، عن خطابهِ كعمل وأداء، في أن الإسلامَ هو دينُ الله الخالِد لا يأتيهِ الباطِلُ من بين يديهِ ولا من خلفه، كما لا تمتدُّ يدُ التغيير والتبديل إلى حقائقهِ الثابتة ومبادئه القويمة بحالٍ مِنَ الأحوال أبداً، بينما الخطاب الإسلاميّ هو أقوالٌ وأعمال وآراء الرِّجال، والرِّجالُ مهما أوتوا مِنَ الفهمِ والدراية، فهم يُخطِئون ويصيبُون في فهمهم للإسلام وتفسيرهم لحقائقه، وفي عرضهم لمبادئهِ للوصُول إلى العِلاج والإصلاح. فالرِّجالُ مهما بلغُوا مِنَ النضج الفكريّ، لا يمكنهم التحرُّر من بشريتهم، كما إنهم سيبقون أسرى ثقافتهم وثقافةِ زمانهم. هذا من جانِب، ومن جانبٍ آخر، فإنَّ القرآنَ هو كتابُ الله عزَّ وجلّ لهُ قدسيّته وعصمته، ومَنْ أنكرَ منه حرفاً يُصبح بهِ كافِراً، ولكن ما إن يقوم أحدهم بتفسيرِ آيةٍ مِنَ القرآنِ الكريم، ثُمَّ يكتبُ ذلِكَ بأقوالهِ وألفاظهِ بفهمهِ هو، فإنَّ تفسيرَهُ هذا يفقدُ قدسيّته وعصمته، ويكون عُرضةً للنقدِ والطّعْن، لأنه أصبحَ من كلامِ البشر، فيتحمّلُ الخطأَ والصواب.
كما أنَّ صاحِبَنا المفسِّر هذا عندما يكتبُ، فإنه يكتبُ بلغةِ عصرهِ، ويستخدِمُ ثقافةَ عصرهِ، ويُوظِّفُ اصطلاحاتٍ هيَ من إفرازاتِ زمانه، ويستعينُ بأمثلةٍ وأساليبَ هيَ الشائِعة والمتداولة في واقعه.
واليوم قدِ اختفى كثيرٌ من تلك الأمثلة والاصطلاحات، حتى إنَّ بعضاً منها تحتاجُ إلى مراجِعَ وقواميسَ لفهمها، لذلك لا بُدَّ من عصرنةِ الخطابِ الإسلاميِّ ليُلبـيَّ حاجةَ مَنْ يُوجَّه إليهم، وتُستبعد منهُ الأمثلةُ والأساليبُ البعيدة عن فهمِ وواقعِ النَّاس في هذا العصر.
ويُؤسِفني أن أقولَ إنَّ الخطابَ الإسلاميَّ الإصلاحيَّ كان - إلى عهدٍ قريب - استنساخاً للخطابِ الإسلاميِّ للأجيالِ التي سبقتنا بقرُون، إلى درجةِ أن كثيراً مِنَ خُطباءِ الجمعةِ يستعينون بموروثِ خمسينيَّاتِ القرنِ الماضي، وفيهِ خمسُون جمعةً جاهِزة ألّفَهُ صاحِبُه في القرنِ الرابع الهجريّ وهو (ابن نباته المصريّ)، وأتذكّرُ خطيباً أخذ - وهو على المنبر - في يومِ الجمعة يصرخُ قائِلاً: "أيُّها المسلِمون ها نحنُ قَدْ وصلنا إلى القرنِ الرابعِ الهجريّ"، وبعد الانتهاءِ من الصلاة، قالَ لهُ أحدُ الإخوة: يا أُستاذ نحنُ الآن في القرنِ الرابعِ الهجريّ!! فردَّهُ بغضبٍ قائِلاً: ابن نباته المصريُّ يقولُ ذلِكَ، فهلْ أنتَ أعلمُ منه؟!

الخطاب الإسلاميّ الإصلاحيّ يجب أن يطرق قلوبَ النَّاس خلال مصالحهم المشروعة
ليسَ كلُّ مَنْ يؤمنُ بالإسلام يمكن أن يكون مِنَ العاملينَ في ميدانِ دعوتهِ، ويستطيع أن يتجرَّد من حظُوظِ نفسهِ، وينسى نصيبَهُ من دنيا النَّاس. فالإنسانُ حريصٌ على تحقيقِ ذاتهِ وإثباتِ جُودهِ وتعريفِ شخصهِ وإبرازِ نجاحاتهِ، ويرغبُ أن يُشارَ إليهِ بالبنان، ويسمعُ مِنَ الآخرين الإشادة به، وينسبوهُ إلى قافلةِ المتميِّزين.
إنَّ مِنْ أصعبِ الأُمور، بل مِنَ المحالِ، أن يبقى الإنسانُ يتفرَّجُ، وينظرُ إلى الآخرين، وهم يجعلُون من إنجازاتهِ وأعمالهِ درجاتِ سُلّمٍ يرتقي عليهِ الآخرُون للوصُولِ إلى مكاسِبَ ومغانِمَ عاجلة، ثُمَّ ينظرُون إليهِ وهُمْ في عليائِهم. لذا فعلى الخطابِ الإسلاميِّ الإصلاحيِّ أن لا يهملَ طَرْقَ قلُوبِ النَّاسِ مِنْ خلالِ مصالحهم المشرُوعة، وما جعلَ الله سبحانه وتعالى أحد أوجه إنفاق الزكاة (المؤلّفة قلوبهم) إلاّ دعماً لمسيرتِهم الإيمانيَّة. ثُمَّ إنَّ (الحجَّ) الذي يمثِّل أقوى خطاب إسلاميّ (لم يستطعِ المسلِمُون توظيفه بصورةٍ مثلى)، يقول الله عزّ وجلّ في كتابهِ العزيز: [وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَات](الحج:27-28). ثُمَّ إن النَّاسَ يتفاوتون في درجاتِهم الإيمانيَّة، فمنهم مَنْ بلغَ القمَّة، ومنهم مَنْ يحبُو ويكدّ للوصُولِ إلى القمَّة، ومنهم مَنْ لا يزالُ في الخطواتِ الأُولى مِنَ التسلّقِ الإيمانيّ، فهو في حاجةٍ إلى مَنْ يأخذ بيدهِ، ويمدُّه بزادِ الطريق، حتّى لا يرتدّ فيقعَ في هُوّةٍ لا خروجَ منها.
لذلك لا بُدَّ لِمَنْ يقفُ وراءَ الخطابِ الإسلاميِّ الإصلاحيّ أن يضعَ في حُسبانهِ أن خطابَهُ مُوَجَّهٌ للبشرِ لا إلى الملائِكة.

لا بُدَّ للخطابِ الإسلاميّ الإصلاحيّ أن يتكلّمَ بلغةِ الإحصاء
يقولُ عالِمُ الفيزياء اللورد كلفن: "إذا استطعتَ أن تعبِّرَ عن حقيقةٍ مِنَ الحقائِق بعددٍ أو رقم، فإنَّكَ تعرفُ شيئاً عنها، وإلاّ لا تعرفُ عنها شيئاً". ويؤسِفني أن أقولَ إنَّ الخطابَ الإسلاميَّ الإصلاحيَّ اليوم هو خطابٌ إنشائيٌّ بعيد عن العِلميَّة والموضوعيَّة، وقلّما يستعينُ بلغةِ الأعدادِ والأرقام، لذلكَ فإن القائمينَ وراءَ الخطابِ الإسلاميّ يجهلُون مدى تأثيرِ خطابهم على مَنْ يُوَجّه إليهم الخطابُ، هذا وإن حاولُوا معرفة ذلك، فإنهم يعتمِدُون على العاطِفة، وعلى ظواهِرَ سطحيَّة بعيدة عنِ الحقائِق.
لذلكَ لا بُدَّ لحملةِ الخطابِ الإسلاميِّ الإصلاحيِّ أن يتسلّحُوا بسلاحِ مَنْ لا يُخطِئ هدفَهُ، ويتكلّمُوا بلغةِ الأعدادِ والأرقام، ويدرسُوا الظاهرة التي هُمْ بصددِ علاجها قبل وبعد توجيهِ الخطاب، ومن دراسةِ الحالتَيْنِ يُمكنهم معرفة تأثير الخطاب على معالجةِ وإصلاحِ تلك الظاهرة.
وعلى صاحبِ الخطاب أن يعلمَ أن النجاحَ ليسَ هو في اجتثاثِ الظاهرة، وإنما قد يكون النجاحُ هو في التقليل من تأثيرها، وهذهِ أمورٌ لا يمكن معرفتها إلاّ باستخدامِ علم الإحصاء.

صاحب الخطاب الإسلاميّ الإصلاحيّ يجب أن يكون من جنود ميدانِ العمل الإسلاميّ لا طارِئاً عليه
لا يكفي أن يتحلّى صاحبُ الخطابُ الإسلاميّ الإصلاحيّ بفكرٍ ناضِج وثقافةٍ واسعة ورؤيةٍ واضحة للأحداث، وإنما يجب إضافةً إلى تحلِّيْهِ بهذهِ الأُمور أن يكون من جنُودِ ميدانِ العملِ الإسلاميّ، وأن يكون من المساهمينَ في تطويرهِ، وله خبرة دقيقة واطّلاع واسِع على شِعاب ودرُوبِ هذا الميدان، وأن يكون على علمٍ ودراية بمستلزماتِ ومستجداتِ الدعوة الإسلاميَّة المعاصرة، كما أن عليهِ أن يحيطَ إحاطةً تامَّةً بالمخطّطاتِ المعادية للعملِ الإسلاميّ، وما تواجهه الدعوةُ من خطاباتٍ مضادّة، حتّى يستطيعَ الخطابُ الإسلاميُّ الإصلاحيّ إصلاحَ ما فسدَ، وتقويم ما اعوجّ، وبناء ما هدم، فيُحقِّق بذلك الأهدافَ التي يتوخّاها أصحابُ الخطابِ من تصحيحٍ وإصلاح وتغيير.
فصاحبُ الخطابِ هو طبيبٌ، والطبيبُ مهما كان مُبدعاً وبارِعاً في ثقافته الطبيَّة، ومُلِمّاً بعلومٍ ونظريّاتٍ، ومُستجدّاتِ ميدانهِ، فإنه سيظلُّ عاجِزاً عن تشخيصِ المرض، وإعطاء العِلاج، إن لم يُمارِسْ هو بنفسهِ النشاط الميدانيّ.
كذلك صاحبُ الخطاب الإسلاميّ الإصلاحيّ إن لم يُمارِسْ ويُزاوِل النشاط في ساحةِ العملِ الإسلاميّ، ويطّلِعَ بنفسهِ على دوّامات المشاكِل، ويُشخّص أسباب تعثر العمل، فإن خطابَهُ لا يُحقِّق ما يتوخّاهُ منه.
وقد أثبتتِ التجارِبُ، قديماً وحديثاً، أن المخطِّطَ لمشروعٍ سياسيّ أو فكريّ أو اقتصاديّ إن لم يَكُنْ هو جزءاً من أدواتِ التنفيذِ، فإنَّ مآلَ مشروعهِ إلى الفشل.

الخطاب الإسلاميّ الإصلاحيّ الناجح هو الخطاب الذي يملكُ فكراً قويماً ويلقى قبولاً من الناس، ويأخذ في اعتبارهِ المخطّطات المعادية
حتّى يستطيعَ الخطابُ الإسلاميُّ المعاصِر من تحقيقِ أهدافهِ، ويُصبح خطاباً هادفاً وبنَّاءً، ويُلَبِّي حاجاتٍ النَّاس، لا بُدَّ أن تتوافرَ فيهِ شروطٌ ثلاثة، وهي:
1- أن يتبنَّى الخطابُ فكراً وسطيَّاً واضِحاً بعيداً عن التشدُّدِ والغلوِّ، وروح العداءِ والانتقام، فكراً مرناً لا يلجأُ إلى لغةِ التهديد والوعيد.
فالخطابُ الإسلاميُّ الإصلاحيُّ ليسَ بياناً من بياناتِِ غرفةِ العمليَّاتِ العسكريَّة، وإنما هو مشروعٌ دعويّ وإصلاحيّ، يمرُّ عبرَ محطّاتِ الحكمة والموعظة الحسنة، والحوار الهادِف، فهو مشروعٌ يدفعُ أصحابَهُ ليمدُّوا أيديهم ليُصافِحُوا النَّاسَ، لا ليُوجِّهُوا إليهم أصابِعَ الاتِّهام.
2- أن يلقى الخطابُ الإسلاميُّ قَبُولاً عندَ النَّاس، ويكون موضِعَ اهتمامِهم، عندئذٍ يمكنه من وراءِ هذا الخطابِ إقناعهم بالتي هي أحسن، ويجمعهم على الحقّ الذي عنده، ويحثّهم على التمسُّكِ بالمبادئ التي يتوخّاها، كما يحاول أن ينشرَ فيهم ثقافةً عمليَّةً بعيدةً عن الكلامِ المعسُول، والألفاظِ الرنَّانة التي ليسَ وراءَها عملٌ ولا إصلاح.
3- الإسلام اليوم ليسَ وحدهُ في الميدان، كما أن الخطابَ الإسلاميَّ ليسَ هو الخطابُ الوحيدُ الموجَّه إلى النَّاس، بَلْ إن لِكُلِّ فكرةٍ خطابُها الخاصُّ، لذلك على أصحابِ الخطابِ الإسلاميِّ إن أرادُوا أن يكونَ لخطابهم وقعهُ وتأثيرهُ في الإصلاح والتغيير، أن لا يتجاهَلُوا دورَ الخطاباتِ الأُخرى، وبالأخصِّ المضادة منها، فعليهم أن لا يُخطِّطُوا ويرسُموا كأنَّهُم وحدَهُم في الميدان، وإلاّ سيصطدِمُوا بالواقِع، وليسَ ببعيدٍ أن يجِدُوا أنفسَهُم على هامشِ حياةِ النَّاس، إن لم يأخذوا الآخرينَ في حسبانهم.

الخطابُ الإسلاميُّ الإصلاحيُّ لا يزالُ يُراوِحُ ولم يرتفعْ إلى مستوى الأحداث
إن مَنْ يتدارَسُ الخطابَ الإسلاميَّ الإصلاحيَّ بعُمْق يَصِل إلى نتيجةٍ مؤسِفة ومؤلِمة، وهي أن هذا الخطابَ لا يزالُ يتعثّر عندَ إنجازِ مَهامهِ، ويَتلكّأُ في مواجهةِ الواقِع، ويُراوِحُ على مساحةٍ صغيرة من اهتماماتِ النَّاس، فهو لا يزالُ يحصرُ اهتمامَهُ في النخبة، ويعجزُ من أن يُلْفِتَ ويُثيرَ اهتمام مَنْ يُوَجَّه إليهم الخطاب.
والأغربُ مِنْ كُلِّ ذلك أن هناكَ جماهيرَ واسعةً مِنَ النَّاسِ تؤمِنُ بالإسلام، وتحرصُ على أداءِ شعائرهِ بكُلِّ صدقٍ وإخلاص، ولن ترضى عنهُ بديلاً، ولكن مع كُلِّ هذا الإيمان والإخلاص ينقصهُا الفهمُ الصحيح للإسلام، فلا يزالُ ولاؤها في كثيرٍ مِنَ القضايا الحياتيَّة لغيرِ الإسلام.
فإذا بحثنا وتحرَّيْنا وراء أسباب هذه الظاهرة، نجدُ أن السببَ المباشِر هو عجزُ الخطابِ الإسلاميّ في الوصُولِ إلى جماهيرِ النَّاس.

لم يعد للمسجدِ دورُه الفاعِل والحقيقيّ في الخطابِ الإسلاميّ الإصلاحيّ
إن ما نُطْلِق عليهِ اليوم بالأُمَّةِ المسلمة - اصطلاحاً - تعيشُ في حالةِ الغيبوبة الفكريَّة، وعلى هامشِ التقدُّم والحضارة، فهي تتسكّعُ على قارعةِ طريقِ قافلةِ المبدعين وصُنَّاعِ الحياة مُكتفية بالتفرُّجِ عليها، وهي لا تملكُ إلاّ اجترارَ الماضي.
ولو أمعنّا النظرَ ودرسنا هذهِ الحالةَ التي وصلتْ إليها أُمَّةُ اقرأ، وفتَّشْنا عنِ الأسبابِ الحقيقيَّة وراءَ هذا التخلّف، لوجدْنا أن من أقوى الأسبابِ هي عجزُ المسجد اليوم من أداءِ رسالتهِ والقيام بدورهِ الثقافيّ والدعويّ. فلم يعد المسجدُ ذلك المركزُ الثقافيّ الذي كان يُخَرِّج الفقهاء الكبار والعُلماء العظام والدعاة العاملين، أمَّا رُوَّادُ المسجدِ فلم يعودُوا تلك الشريحة المؤمنة التي كانتْ ترفعُ لواءَ الإصلاحِ والتغيير، وتقودُ قافلةَ الآمرينَ بالمعرُوفِ والناهينَ عن المنكر.
واليوم على الرَّغمِ من وجُودِ جماعاتٍ إسلاميَّةٍ عامِلة، وعلى الرغمِ من امتلاءِ رفُوفِ المكتباتِ بصنوف مختلفة مِنَ الكتبِ الإسلاميَّة، نجدُ أن أصحابَ الخطابِ الإسلاميِّ لم يستطيعُوا توظيفَ المسجدِ ورسالته في خدمةِ خطابهم، فلا يزالُ خطابهم خالياً من برامِجَ عمليَّةٍ لتحريكِ المسجدِ وأهلهِ، كما لا يزالُ المسجدُ مأوى المتسوِّلينَ والمتقاعدين، ومَنْ لا شأن لهم بمسيرةِ الحياة.
لذلك لا بُدَّ لأصحابِ الخطابِ الإسلاميِّ الإصلاحيِّ أن يعيدُوا في خطابِهم دورَ المسجِد، وأن يبدَأُوا من محرابهِ انطلاقتهم نحو المناحي الحياتيَّة الأُخرى.
إن الإنسان ليستغربُ كثيراً عندما لا يجدُ في الخطابِ الإسلاميِّ الإصلاحيِّ مكاناً لصلاةِ الجمعة وخطبتها، التي لو توافرَتْ مناسبةٌ كهذهِ لغيرِ الإسلاميينَ لغزوا بها الميدان، ولملأُوا خطاباتِهم ببرامِجَ إصلاحيَّة فعَّالة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق