الاثنين، 5 مايو، 2014

قصة قصيرة (ســوالف)

بقلم: مروان الكردي
كانت الحرارة المنبعثة من المدفئة الموضوعة وسط الغرفة تضرب وجهي وأركان جسمي بنعومة بالغة، وأنا أرسم لأختي التي تصغرني بسنة واحدة صورة إحدى فتيات كتاب القراءة العربية للصف الثاني الابتدائي، فقد كنت بارعا في الرسم.. والمدفئة كانت مستطيلة الشكل، ماركة يابانية، بيضاء اللون، على جانبها الأيمن رسمت صورة للاعب كرة قدم، وهو يركض وراء كرة تبدو للناظر وكأنها مثقوبة، وفوق المدفئة وضع قوري مليء بالماء، والبخار يتطاير كأبخرة القطار من فوهته، وهو يصفر كالناي..
وكان داخل الغرفة: والدي الطيب، وهو يتكلم مع قصابين جاءا خصيصا لرؤية ثور نملكه منذ سنتين كاملتين.. ووالدتي الطيبة، وأختي التي تراقب أناملي، وأخي الصغير (أركان)، الذي لم يمض على تعلمه المشي سوى شهرين، ومع كل ثلاث خطوات من المشي تتعثر قدماه ويسقط، وهو الآن بروعته البريئة يلعب داخل الغرفة.. 
وثورنا، هو أكبر الثيران التي تعيش في المحلة عمراً وحجماً، وروعة وجمالاً، يسميه والدي بالحوت، لسعة ظهره، وقد قرر أن يبيعه في الآونة الأخيرة، فأسرع إليه القصاب فور وصوله الخبر، وقد جاء معه بأخ أصغر منه، في هذه الليلة القارصة البرد، للتحدث مع والدي حول أمر البيع وسعره.. لم يكن بإمكان القصاب أن يرى أجمل وأروع من فريسة، كذلك الثور في تلك الآونة..
وبين كل رشفة للشاي، يتفوه القصاب بكلمات تعبر عن إعجابه الشديد بالثور، ويستغرب من وجود هكذا ثور في (كلكجي)*.. الحق، لقد بالغ كثيراً في إعجابه، وهذا ما كان يسعد قلب والدي.. ويقلق قلب والدتي!!
يا للروعة، سعادة من جهة، وقلق من جهة أخرى، لقد كانت أمي قلقة جدا من وجود القصاب في بيتنا، ومدحه الدائم للثور، لقد كانت الوساوس مسيطرة على كيانها من شر الحاسدين، أي شخص كان! 
وفي لحظة ما، وبينما كان الجميع منهمكا، والدردشات متواصلة، وإذا بانقلاب كبير يحدث في الوضع، إذ اصطدم (أركان) الصغير بالمدفئة، وحدثت المصيبة الكبرى، لقد وقع القوري الضخم من على المدفئة إلى الأرض، وبسرعة البرق، لامس الماء الساخن فخذي، فخذي أنا، وجن جنوني، انفجرت أقفز كمن مسه جنّ، صرخت بألم بالغ، لقد مزق قلبي، وأسرعت والدتي ضاربة صدرها نحوي كالطلقة، وهي تصرخ: يا ويلي، ابني!.. وتعثرت يداها من شدة الهلع والخشية في فك حزام بنطلوني، وأنا أصرخ بكل ما لدي من قوة، وأبكي، وأطلب باستمرار أن يسكبوا الماء البارد عليّ، معتقداً أنه سيحل حرقة الألم، وفتح والدي فاه في اندهاش، وانضم هو والقصابان إلى فريق الإنقاذ، وتأخروا دقيقتين في خلع بنطلوني، لكن بعد ماذا؟ بعد أن خلع معه جلد فخذي الأيسر، من أقصى الحوض إلى الركبة، وحملوني على أيديهم، وركضوا في صراخ وخشية، وعجلة كالمجانين، وكانت أمي تبكي، وتضرب صدرها، وغادروا البيت، وأنا بين حرقة الحرق الساخن، وعطف أمي الباكية، ومحبة والدي..
وذهبوا بي إلى بيتٍ لا أنساه أبداً، بيت (ياسين أحمد)، أشهر ختان عرفه جيل الثمانينات والتسعينيات والنصف الأول من العقد الأول للألفية الجديدة، ما زال شيب رأسه أمام ناظري، وهو يُبدي انزعاجه من المصيبة التي حلت، ومهنته لم تمنعه من ممارسة كافة طقوس التطبيبات.
وهناك، بدأ الألم يزداد، ألم بطعم الموت، كنت أشعر بأن الجرح في أعماق قلبي، وكأني بجروحي أمشي على الأشواك الحديدية، رأيت تكون الفقاعة الكبيرة على الجرح، ورأيت مقصاً بيد عم (ياسين)، أزاح الجلد ونشف الماء، وأنا اتألم، وخز بإبرة في فخذي، وأومأ لوالدي بأن الإبرة تخفف الألم، والقصاب يقول باستمرار: صبرك يا بني، لن يستمر الألم طويلاً.. وعند العودة، كان الخبر قد انتشر، وإذا بجميع إخواني وأخواتي وأقارب أبي وأقاربي في بيتنا، كلهم جاءوا من أجلي..
ومرت الأيام، وأنا أتألم، ولا أستطيع السير على قدمي.. كانت أمي الطيبة الحنونة، تحملني بين ذراعيها ليل نهار.. الله وحده يعلم كم عانت أمي بمرضي.. شهر كامل من المعاناة.. أصبحتُ هزيلاً إلى درجة.. وكانت أمي تأخذني، كل صباح، إلى المركز الصحي في (كلكجي)، حيث هناك سيدة طيبة اسمها (زينب) تداويني بيديها، وتغسل مكان الحرق بالدواء الخاص، وفي كل يوم، أحترق مرة أخرى، يتمزق قلبي من شدة الهول والحرقة، وفي المساء تأخذني إلى عيادة منزلية، تقع بالقرب من المركز الصحي، حيث هناك نفس السيدة. وفي أحد الأيام، وبينما هي تداويني، وأمي تمسكني بيديها، والألم كصاعقة كهربائية يهز كياني، صرخت بكل ما لدي من قوة، وبكيت بحنان يعجز القلم عن وصفه، وناديت أمي وقلت لها: فديتك ياااااأمي)!! وانهمرت الدموع الساخنة من مقلتي أمي، ولطفت السيدة (زينب) أكثر بحالنا، وبكت هي أيضا! وقالت بحكمة: صدقوني، سوف تصبح كل هذه المعاناة في يوم ما سوالف. 
و تماثلت للشفاء، وكبرت، وأصبحت هذه المصيبة محطة رئيسية من محطات حياتي، وتيقنت جيداً أن كل الفواجع والآلام والمآسي وبحور الأحزان سوف تصبح في يوم ما سوالف، نعم.. سوالف.. سوالف

(*) كلكجي: (ناحية) صغيرة تقع على الطريق المؤدي إلى دهوك، قرب قضاء (الشيخان).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق