06‏/05‏/2014

احترام المبدأ ... اسلوب حياة

محمود وليد البوزيني
قد مضت سنة الحياة بأن يكون لكل شيء بداية ونهاية: أعمارنا، وأعمالنا، وعلاقاتنا، ووظائفنا، وخدماتنا، وكل ما يتصل بنا. فالإنسان موجود على هذه الأرض على نحوٍ مؤقت، إذن فكل ما يتصل به هو مؤقت، وللمراحل المؤقتة مبادئ، فهي جوهر الروح الواقعي الملموس، ومن ليس لديه مبدأ في هذه الحياة سيضيع بين خفاياها.
المبدأ هو جزءٌ أساسي لا يتجزأ عن الإنسان، ومنه ينطلق بأفكاره وتوجهاته وقراراته، وعلى أساسه يتقبل أو لا يتقبل الأمور، فقد تربى على هذا المبدأ ونشأ عليه، فأصبح من الصعب جداً، بل من المستحيل أن يتخلى عنه بسهولة، فهو بالنسبة له قضية، وموقف، ورؤيا، وقناعة، واعتقاد. وهذا المبدأ أساسي بجذوره، ولا يمكن اعتباره من القيم المضافة المتفرعة، فمنه يقرر تحديد مساره، ومن خلاله يستمد قواه العقلية، وبه ينفذ سلوكياته التي يؤمن بصحتها، لأنه يعتبر المبدأ المنطلق في اتخاذ القرارت بشتى أنواعها واتجاهاتها. فاللبنة الأولى في التربية هي التي وضعت هذا الجوهر الداخلي المكرم في أولويات حسابات هذا الإنسان، فصار هو الأساس الرئيس في حياته.
هناك معادلة للأستاذ عبدالكريم البكار تقول: "ما دمنا مستيقظين، وما دمنا نملك قوانا العقلية، فنحن مبتلون".
من هذه الرسالة يجب على الإنسان أن يفهم أن كل جزء من حياته هو ابتلاء، وأن يأخذ بنظر الاعتبار أن هذه الحياة مليئة بالمطبات، التي تحمل بين طياتها أنياباً حادة مؤذية، لا تظهر حكمتها إلا بعد مرور زمن معين، فإذا كانت نتائجها مؤلمة فعليه أن يصبر ويشكر ويحمد، وإذا كانت النتائج مفرحة فعليه أن يسعى لإخلاص الحمد لرب الحمد، وفي الحالتين كلتاهما يدخل هذا الإنسان في جولة من الاختبار، وأصعب مراحل الاختبار مرحلة قياس الثبات.
نحن خُلقنا من روح وقلب ومشاعر وأحاسيس، وبالتالي فنحن لسنا بأحجار لا تحب، ولا تشتهي، ولا تنعم، ولا تتلذذ، فهذه فطرة إنسانية وضعها رب العباد في أحشاء الإنسان، أي أنه مسير بهذا الجانب. وبالمقابل حدد لكل من هذه الزوايا الفطرية مضماراً معروفاً أين منبعه، وإلى أين يصل مداه، ليختم مشواره في المصب الذي اقترن باسمه، فيجب الالتزام به، وعدم تجاوزه، والعقلانية تظهر هنا بأن يوازن ما بين المسموحات والممنوعات.
من هنا كان لا بُد أن نفكر بواقعية، فرفاهية ومغريات وملذات وطيبات الحياة كثيرة، ومناصب ومواقع الدنيا أكثر، وكلٌ يحاول بدوره أن يغرينا هدفاً منه لتغيير مبادئنا، لكي يجرنا بحلاوته المؤقتة إلى تقديم تسهيلات، ثم تنازلات متكررة، فالتفريط بالمبادئ شيئاً فشيئاً، وهنا تكمن الكارثة، ولنا في رسول الله محمد "صلى الله عله وسلم " أسوة حسنة، وخير مثال للإنسان الذي يحترم مبدأه، ولا يرضى بالتنازل عنه مهما كلفه الأمر، ويرفض أيضاً الانصياع أمام المغريات العظيمة التي تقدم له، فحينما قدم إليه شرفاء قريش وأسيادها، وطلبوا من عمه (أبي طالب) أن يقنع النبـي محمداً "صلى الله عليه وسلم" بترك رسالة الإسلام ودعوة الناس لاعتناقه، مقابل الحصول على المال والجاه والمكانة والسلطة والنفوذ.. حقاً إنها كانت صفقة عظيمة وخطيرة وتحتاج إلى رجال حقيقيين.. فرد النبـي محمد "صلى الله عليه وسلم" على عمه رداً واضحاً بطريقة صريحة لا تقبل النقاش، ولا المجادلة، ولا المحاولة مرة أخرى، واضعاً النقاط فوق الحروف، دون تقديم تنازلات، ودون تقديم مبررات تسمح لوجود احتمالات، قائلاً: "والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر، ما تركته، إلا أن يظهره الله أو أهلك دونه".
هكذا كان النـبي "صلى الله عليه وسلم" الإنسان في احترامه الموقر لمبدئه، رافضاً جميع العروض المغرية، واستنبط من قيمه أيضاً آخرون، مؤكدين بدورهم، ومن موقعهم المؤثر، على مبادئ نبيهم "صلى الله عليه وسلم"، غير راضين ولو بمثقال ذرة السقوط في خندق المتنازلين، ومنهم الشيخ (وليد عثمان) قائلاً: "المنصب لا يصنع قيمة للإنسان، بل الإنسان من يصنع للمناصب قيمة".
عندما تخلينا عن مبادئنا، وغرتنا أهواء الحضارات الأخرى، بزخرف شعاراتها، وكلامها المعسول، على أنها قدمت لإنقاذنا وزيادة ثقافتنا، كنا مستعدين مسبقاً لتقبل كل ما يحملوه لنا دون معرفة أسرار ما جاؤوا لأجله، بل كنا مؤيدين ومتمسكين بأفكارهم ومتقبلين لحيلهم التكنولوجية، ناسين أننا من خلق الابتكارات وصنع الإبداعات، راسمين بذلك أجمل الحضارات التي تلاشت بفقداننا لأنفسنا العزيزة المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمبادئنا الطاهرة، فاقتبسوا هم منا مبادءنا السامية دون ذكر مصدر الاقتباس، فنسبوا حكايات النجاح لأنفسهم بجدارة، وهم يستحقون ذلك لأنهم عرفوا ما يتبنون، وبقينا نحن مفرطين بكل ثمين، مبهورين بجمال الحياة المؤقتة، متنازلين عن مبادئنا ووظائفنا تجاه هذه المبادئ، متساهلين بذلك عن جوهرنا، والنتيجة ضياع فلسطين، ثم العراق، فسوريا الآن، ومصر هي الأخيرة، ولا نعرف ما القادم فيما بعد.. هكذا يصل بنا الحال عند تقمص شخصية أخرى غير شخصيتنا، واستعدادنا للتساهل بقرارات، خلقنا وتربينا ونضجنا وكبرنا عليها، وصار هذا التساهل يدخل ميدان الحياة الحقيقية، ويتغلغل في أعماقنا، ويخطف منا صدق ماهيتنا، ونحن راضون و متقبلون لتقمص هذه الشخصية المزيفة على حساب الروح التي بثت فينا طهارة المبادئ الراقية، فكانت النتيجة التيه في ثنايا القنبلة الموقوتة والخسارة الأبدية.
هل سنعود إلى رشدنا ونتعامل بمبدئية أمام المناصب السياسية والمراتب السيادية والمواقع الحساسة التي تجذبنا، ورؤوس الأموال الطائلة التي تغرينا، والصفقات الأخلاقية التي بدأنا نخسرها تفريطاً بمبادئنا السامية؟.. هل سنكون مبدئيين، أم سنحكم على أنفسنا أن نكون مؤقتين قبل الممات وبعده؟ هذا السؤال موجه لكل إنسان يعيش في هذه الحياة غير المضمونة، وإجابته هي النقطة الفاصلة التي تحدد مصيره، وترسم حياته على ضوء قراراته المستمدة من مبادئه، فلنختر حياة الكرماء.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق