الاثنين، 5 مايو، 2014

العلمانية بين الشرق والغرب (مطارحات ثقافية)

بقلم: محمد صادق امين 
لست بصدد الخوض في جدل بيزنطي حول العلمانية، الموضوع الذي أشبع بحثا وجدلا على مدار عقود وعقود في منطقتنا، لكنني أريد أن أقارن بين من يتبنى العلمانية فكرا وممارسة في جهتي الشرق والغرب الجغرافيين، حيث يختلف البشر، وتختلف الحياة، والقيم والأفكار، وبالتالي تختلف الممارسات وانعكاساتها على الحياة.
وليس أدل على الفرق بين أهلها في الجهتين، من أحداث (مصر) و(فرنسا): ففي (مصر) أظهرت العلمانية وجهها البشع الدموي القبيح حين فاز اليمين الإسلامي بالانتخابات، وضربت بيد دموية الوطن، وهزت جذوره وفروعه، واغتالت أبناءه، ودمرت اقتصاده، دفاعا عن العلمانية! وفي (فرنسا) قلعة العلمانية الغربية، حين فاز اليمين المسيحي بالانتخابات المحلية، تنحت العلمانية فاسحة الطريق لمن اختارهم شعب قلعة العلمانية للحكم.. حدثتني صديقة تعمل في بلدية باريس، إن الموظفين والمدراء المنتمين للتيار الاشتراكي العلماني قدموا استقالاتهم تمهيدا لوصول اليمين محلهم!.
العَلمانية تعني اصطلاحاً فصل المؤسسات الدينية عن السلطة السياسية، وتعود جذورها إلى الفلاسفة اليونانيين أمثال (إبيقور)، غير أنها خرجت بمفهومها الحديث خلال عصر التنوير الأوروبي على يد عدد من المفكرين أمثال (توماس جيفرسون) و(فولتير)، وبالمفهوم الغربي لا تعتبر العلمانية ذاتها ضد الدين، بل تقف على الحياد منه، ففي (الولايات المتحدة) مثلاً خدمت الدين وحرسته من تدخل الدولة والحكومة، وليس العكس.
العلمانية الشرقية تعمل على فصل الدين عن الحياة، وليس عن مؤسسات الدولة والحكم! بمعنى أنها تريد أن تبعد الإسلام - دين الأكثرية - عن الحياة، لأن منظريها يعتقدون أن الغرب تقدم بسبب الخصام مع الدين وإقصائه من الحياة! لذلك تحرص على نشر الإلحاد، والكفر، أو نشر الرذيلة والفجور، وكل ما يخالف تعاليم الدين، وكأن ذلك مرتقى الوصول للتطور بحسب فهمهم. لذلك، حين وصلت النخب العلمانية للسلطة، عملت على تسخير أدواتها في نشر هذا الفهم بكل ما أوتيت من أدوات الدكتاتورية، ثم صنعت فراعنة ياخذون مكان الإله، حكما، وتشريعا، حتى وجدنا آلهة تشرع، مثل: (بورقيبة) في تونس، و(القذافي) في ليبيا، وآلهة أخرى تنظر تنظيرات كأنه وحي سماوي نبوي، مثل: (صدام) في العراق، و(عبدالناصر) في مصر!.
العلمانية الغربية، بحيادها، بنت مؤسسات مجتمع مدني، ومؤسسات حكم، وساهمت في بناء المجتمع، ونشر الفضيلة، وإقامة دولة العدل. وفي الشرق، ساهمت في تكريس التخلف، والجهل، ونشرت الظلم، وأدت إلى التأخر عن ركب الحضارة الإنسانية.
في الشرق: (علماني) يساوي كل ما يخالف الدين، ويقف بالضد من الفضيلة، ويدعو إلى رذائل الأقوال والأعمال، لذلك انتجت المنظومة هذا المجتمع المريض الذي نحيا فيه. من وجهة نظري، كل السلبيات والمثالب والعيوب التي نراها في المنظومة الاجتماعية والسياسية والثقافية في بلداننا، هي نتاج المنظومة الاجتماعية العامة التي ولدت من رحم هذا النظام المريض.
في الغرب (علماني) لا يعني إنسان ساقط أخلاقيا، بل إنسان يقدس الحرية الشخصية، فهو مع منح المرأة حرية التعري في الأماكن العامة، ومنح المرأة الأخرى حق الانتقاب. لذلك؛ العلمانيون في فرنسا هم الذين وقفوا ضد قانون منع النقاب الذي دفع لإقراره (اليمين المسيحي)!! هل يمكن أن نرى إنصافا أكثر من ذلك؟! العلماني في الغرب يذهب للكنيسة، ويقدس المقدس، كل الرؤساء الأمريكان يذهبون للكنيسة يوم الأحد!! وكان هذا دليل حملة (أوباما) على مسيحيته في الحملة الانتخابية.
منذ عشر سنوات (اليمين المسيحي) يتقدم في أوربا وأمريكا، بمعنى (إخوان) لكن مسيحيين، يحققون أغلبية في الشارع، ويصلون للبرلمانات، ويشكلون حكومات. وآخر هذه الإنجازات في قلعة العلمانية الحصينة (فرنسا)، حيث اليمين قادم للحكم حسب نتائج الانتخابات المحلية، في ظل هذه العلمانية الرشيدة حقق الغرب سموا إنسانيا، ورقيا علميا، ورفعة أخلاقية.
العلمانية التي أنتجت مجتمعا متطورا ومتحظرا في الغرب، تدعم الدكتاتورية العلمانية في الشرق، التي أثمرت مجتمعا يسير وراء ركب الإنسانية، وهي تدرك تماما أنها تخالف مبادءها الإنسانية، فقط بسبب خصامها مع الإسلام، وخوفها منه. وهي تنطلق بذلك من مبدأ توراتي، ففي التوراة المحرفة التي تعتبر شعبها هو شعب الله المختار، تنظر إلى الشعوب الأخرى على أنهم أقل منها إنسانية! وتسميهم: الأممين! لذلك لا داعي للاستغراب إزاء موقف الغرب الداعم للجرائم ضد الإنسانية في (مصر)، فهي مع أن تتطور وتتقدم وترتقي، على حساب تخلف الشعوب الأخرى وتراجعها.
في تقديري إن الغرب سيدفع ثمن دعم هذه الدكتاتورية الدموية في سقف عشر سنوات قادمة، من خلال بروز جيل ساخط يحيد عن الوسطية، ودكتاتوريات ستخوض حروب عنترية، كما فعل (صدام) و(عبدالناصر) تكريسا لألوهيتها المزعومة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق