الاثنين، 2 نوفمبر، 2015

جذور القيم الإنسانية في الثقافة العربية في الزمن العربي الأول

هشام بنشاوي
المغرب
يتطرق الباحث (عبد المعطي سويد)، في كتابه (جماليات الروح في الثقافة العربية الإسلامية)، إلى سؤال الفن في الحضارة العربية الإسلامية، حيث يعتبره قراة روحية بصرية ممتدة عبر الدماغ للإنسان، والكون، والعالم. ويعتبر (التصوف) رؤية جوانيّة، ترمي إلى الارتقاء بالعقل والضمير. ويلتقي الفنان والمتصوف في النظر إلى رسم وطيف الوجود، وتشرئب روحاهما إلى النظر: لدى الفنان إلى اسم الله، ولدى المتصوف إلى (الهو)، وكلاهما يعيش لحظة الوجد المعبرة عن الحميمية مع
المطلق.
وفي مقاربته لجذور القيم الإنسانية، في الثقافة العربية، يشير - في مستهل هذا المبحث- إلى أن دراسات حفرية علمية أثبتت، منذ أكثر من قرن ونصف القرن، أن الشرق الأدنى القديم، كان يتسم بطابع فكري خاص، تغلب عليه السمة الأسطورية. وقد تركّزت هذه الدراسات في البحث في تلك المرحلة من حياة الشرق القديم، (مصر، وبلاد الرافدين) خاصة، كمحاولة لفهم نمط الفكر العام لسكان المنطقة، ونظرتهم إلى العالم والحياة والطبيعة، وما بعد الطبيعة، حيث كانت الرؤية أسطورية، يمتزج فيها الواقع بالخيال، والشعر بالحقيقة. وكان هذا الإنسان يطرح أسئلة ذات طبيعة فلسفية، ويجيب عنها أسطورياً.
ولم تذكر الأبحاث، في عالم الأسطورة، اهتمام إنسان تلك العصور بالقيم الإنسانية، والتي كانت معيشة في تلك المرحلة، ويندمج فيها الخيال بالواقع. وكان الإنسان القديم يخضع للقدر، ذلك العنصر اللامرئي الذي قيّد حركة الإنسان، والذي كان يمّثل السلطة المطلقة. لم يكن الإنسان الأسطوري معنيّاً بإثبات حريته الإنسانية أمام قوى الطبيعة، أو قوى الآلهة، أو القوى اللامرئية، بقدر خضوعه لها، مضيفاً إلى قواها، القدرات السحرية المهيّمنة على حركة الحياة ومصائرها. أما قيمة الكرامة الإنسانية، بمفهومها الحديث والمعاصر، فلم ينظر إليها كقيمة تمّثل وعياً بالذات الإنسانية، ومكانتها في العالم، من بين الكائنات الأخرى. وانتظر الإنسان ظهور الأديان والفلسفات التي جاءت لتثبت أن الإنسان يعامل كغاية في ذاته، وليس كوسيلة. أما قيمة الحب، والعلاقة بين الأنا/ الأنت، فلم تكن بمثل وعي الأنا للأنا، والأنت للأنت. لقد كانت هذه العلاقة الثنائية أسطورية، يمتزج فيها الواقع
بالخيال، ولم يكن الإنسان القديم ينظر إلى الأنت/الآخر، ككيان قائم بذاته؛ كان الأقدمون يرون الإنسان - دائماً- كجزء من الطبيعة والمجتمع، ولم يكونوا يرون الطبيعة والإنسان واقفين بجانبه: الواحد إزاء الآخر. وكانت هذه العلاقة لا تفرز عناصرها، وهي تمّثل خليطاً، يعيش في قلبه: الناس والحيوانات، والنباتات، والحجارة، والنجوم، على مستوى واحد من الشخصية والبقاء الحي.

الحياة العقلية لمرحلة ما قبل الإسلام:
يطلق الباحث على (العصر الجاهلي) مصطلح (الزمن العربي الأول)، والذي يسبق ظهور الإسلام بمائتين ونيّف من السنوات. وعند تحدثه عن الحياة العقلية لهذه الفترة، فهو لا يعني النشاط العقلي الفلسفي المحض، لأن هذه المرحلة تميّزت ببساطتها وصحراويتها، وهذه المرحلة تمر بها المجتمعات أثناء سيرها الحضاري. ولم يخل هذا الطور الحضاري من لمحات وخواطر فلسفية، ميّزت ما دعي في تاريخ الآداب العربية بـ(سجع الكهّان)، أو حلم رجال الفكر القبلي، والناتج عن إعمال العقل في الوجود والحياة والكون والإنسان، والناتج أيضاً عن المعاناة والخبرة، اللتين تلهمان الحكمة، ورجحان العقل، مقابل نزوات الوجدان، والانفعالات الهائجة، والأهواء المنحرفة.
وهذه الفترة شكّلت مرحلة متقدمة وجدانياً، ويعني به الباحث تطور الوعي المباشر، والتعبير عنه بالشعر، وهذا ما اصطلح على تسميته بــ(التفكير الشعري). وقد شكّلت هذه المرحلة تقدماً على صعيد الشعر، الحكمة، ومعايشة الحلم، والتأمّل، قياساً بالمرحلة الأسطورية، التي هيمن فيها الفكر (الميثوبي)، أو ما قبل الفلسفة. وقد جرت مساجلات كثيرة، في النصف الأول من القرن العشرين، حول مدى صحة الأدب الجاهلي، وكونه ينتمي فعلا - بشعره الجاهلي- إلى تلك الفترة الجاهلية، والتي تمّ تجاهلها من طرف المؤرخين الإسلاميين، كنوع من الإدانة الدينية لهذه الفترة، بسبب جهلها بالوحدانية الإلهية.
كان الشعر هو المكون الأول للحياة العقلية لتلك الفترة، وكذلك للشخصية الإنسانية لذلك العصر. وقد مثّل الشعر في حينه ظاهرة لغوية، وسيشكّل القرآن الكريم بعد نزوله حدثاً عظيماً، مسَّ الوجدان العربي في الصميم، بسحره البياني واللغوي، جعل الكثيرين يعلنون إيمانهم. وجسّد الشعر الجاهلي أغراضاً كثيرة في تلك المرحلة، وجسّد العديد من القيم، التي اعتبرها الباحث الجذور الأولى، والتي لم تقف عندها الظاهرة الإسلامية، إذ إنها أضفت عليها طابعاً دينياً، وهي الحب، الحرية، والكرامة الإنسانية.
فالحب شكّل أهم أغراض الشعر الجاهلي، وحتى في العصور العربية الإسلامية اللاحقة. والحب، كظاهرة إنسانية، وعاطفة مضادة للكراهية، تلك القيمة السلبية القاتمة، التي عجز الإنسان عن دفنها، منذ ظهوره على سطح الأرض. والحب دعوة إلى الحياة من خلال حب الآخر، ورفض اختلالات الوجود المتجسّدة في الكراهية والاقتتال بين البشر، وكان الشاعر الجاهلي يدرك - في وعيه الباطن- أن حبه آيل للسقوط من خلال هجران الحبيبة، ولحاقها بقبيلتها، بحثاً عن الكلأ والماء. وكان الشاعر يدرك، كذلك، أوانه، فيهرع إلى التقاط لحظة الحب الهاربة، فلا يجد أمامه سوى آثار الهجران، وما تركت القبيلة من آثار، ستمحوها رياح الصحراء في لحظة ما، وفي الوقت نفسه، تظلّ بعض الأطلال، التي تذكّره بأن الحبيبة كانت هنا، في لحظة ما من الزمان الهارب. والحب في إطاره المحدود (الأنا- الأنت)، أو تجلياته القبلية، فعل إنساني، وهو في جوهره: المشترك بين الناس. ولم ينتقل الحب الثنائي إلى الحب الإنساني الشامل، أو حب الإنسانية، بل ظلّ في محدوديته الثنائية، وفي الانتماء القبلي. إن ظاهرة الحب تتضمن قيمة الحب الإنساني، بوصفه عامّاً، متضمّناً في العلاقة الثنائية الخاصة. وإن بهجة المحبين يمكن أن تضفي على الآخرين، وتمتدّ نحوهم بقين وسلاسة. والانتقال من حب الأنا للأنت، إلى حب الكل.
أما الحرية - قدس الأقداس- كما يعتبرها الباحث، فمن نافل القول إن الإنسان الصحراوي يعيش في حرية مطلقة، من حيث المبدأ، غير مقيّد بالمكان، ولكنه مقيد بانتهاء زمنه، أي حياته ومماته. فقد كان يعيش على وتر مشدود من طرفين: الحرية والضرورة، أو الجبر والاختيار. فهو حر من قوانين الدولة والمؤسسات، لكنه مقيّد بتقاليد القبيلة. كان يملك الحرية، وإرادة التغيير المكاني، من خلال الترحال اليومي، أو الموسمي. "لقد عاش الصحراوي تأرجحاً مأساوياً، بين حركة الدهر (الزمان)، والرضوخ لسنّة الوجود، وأمام القدر الطبيعي للأشياء". وكان (الزمان) هو العنصر الأول في حسّ المأساة. وكانت (الحرب) من مقوّمات الوجود اليومي. وكانت الحرب غاية في ذاتها، حفاظاً على الوجود، وخوفاً من استئثار الآخر بمقومات الوجود. وقد انسحق الوجدان العربي أمام الإرادة الخفية التي تتحكم مصيره.
وبالنسبة إلى قيمة الكرامة، فمن طباع العرب، كما ذهب الكثير من الدارسين قديماً وحديثاً، أنهم سريعو الغضب، وعصبيو المزاج. وقد كان الإنسان، في الزمن العربي الأول، يشتدّ هياجه، إذا جرحت كرامته، وكثيراً ما يهرع إلى السيف للثأر ممن يجرح كرامته، بالكلمة، أو النظرة الجارحة. وكان العربي كثير الاعتداد بنفسه، وبقبيلته. وكان يعيش كرامته في سياق قبيلته، أكثر من الوعي الفردي الخاص بها، المتعلقة بشخصه. فعّزة النفس، والإباء، كانت من القيم الإنسانية والأخلاقية اللتين ميّزتا طبيعة الحياة العربية.

ويخلص الباحث إلى أن عالم اليوم يعيش في عصر مبهر، في معركته حول تحقيق حقوق الإنسان، بدءاً من تقديس حق الحياة والوجود، مروراً بالحرية والكرامة، والتواصل (الحب) الإنساني، بغضّ النظر عن كل تمييز في العرق، واللون، والدين، واللغة، والثقافة، والتقاليد، والفكر. فأيّ انتهاك لحقّ الحب الإنساني، من خلال نزعة الكراهيّة، يشكّل أول إهانة مباشرة لهذا الحق. وهو يمّثل النزعة الشريرة القابعة في النفس البشرية، وإن سعادة البشر تتحقق عندما تعلو قيمة وحقوق الإنسان على المصالح.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق