الاثنين، 2 نوفمبر، 2015

مراعاة فقه الأولويات في تطبيق الشريعة الإسلامية

د. أياد كامل الزيباري
مما هو معلوم من الدين بالضرورة، أن في الشريعة الإسلامية أولويات في مختلف المجالات، أولويات في قضايا الإيمان، وفي الأعمال، وفي الأمر والإنكار، وفي العلم، وفي التعليم، وأولويات في التبليغ والدعوة، وأيضاً أولويات في تطبيق الشريعة الإسلامية.
مفهوم فقه الأولويات
أولاً: الأولوية في اللغة:
 له عدة معانٍ متقاربة، منها الأحق والأجدر، فيقال: فلان أولى بهذا الأمر من فلان، أي أحق به وأجدر. ومنها: الأقرب(1)، ومنها: التهديد والوعيد. ومنه قوله تعالى: [أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى، ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى](2)، أي قاربه
ما يهلكه. والأولويات جمع أولوية، وهي مصدر أولى(3).
ثانياً: في الاصطلاح:
عرّف العلماء مصطلح الأولويات بعدة تعاريف، منها: ترتيب العالم أو الداعية لأوراقه، الأهم فالأهم، والأحوج فالأحوج، والأنفع للمدعوين فالأنفع(4).
ومنها: وضع كل شيء في مرتبته، فلا يؤخر ما حقّه التقديم، أو يقدم ما حقّه التأخير، ولا يصغّر الأمر الكبير، ولا يكبّر الأمر الصغير(5).
والتعريف المختار هو: "العلم بالأحكام الشرعية، التي لها حق التقديم على غيرها بناءً على العلم بمراتبها، وبالواقع الذي يتطلبها"(6)، وذلك لأنه اشتمل على العلم بالأحكام الشرعية، العملية، ومعرفة الواقع الذي لا يُستغنى عنه، وكذلك وضع كل تكليف شرعي في موضعه ومنزلته، من حيث التقديم والتأخير، والتصغير والتكبير، ومعرفة ما هو أجدر من غيره، بناءً على العلم بمراتبها.
أهمية فقه الأولويات
تتبيّن أهمية فقه الأولويات في النقاط الآتية:
1- فقه الأولويات هو السبيل للحفاظ على الدعوة والداعي(7).
2- فقه الأولويات لا يمكن أن يستغني عنه الفقيه(8). ويتبيّن ذلك المعنى في قول النبـي (صلى الله عليه وسلم)، لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: (إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ)(9).
3- يعدّ فقه الأولويات الأساس في ترتيب أمور المسلم، ويتبيّن ذلك في الحديث: (إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقّ حَقَّهُ. فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صَدَقَ سَلْمَانُ)(10).
4- إن فقه الأولويات هو السبيل إلى كسب القلوب وتأليفها، وذلك بالقضاء على كثير من الخلافات الواقعة في الحقل الإسلامي، مما يساعد في وحدة الصف، وتقوية الروابط الداخلية(11).
5- إن فقه الأولويات سبيل إلى حفظ المسلمين وبقائهم، وإن فقدان الأولويات سبيل إلى الضرر في الدين والدنيا، وهو سبيل للتخبّط في التخطيط والعمل، والفشل في أغلب الأحيان. وكذلك غياب الأولويات يؤدي إلى الانشغال بالجزئيات دون الكليات، وهو سبيل لترسيخ التقليد والتبعية(12).
6- إن فقه الأولويات سبيل إلى تحقيق الغاية الأسمى والأعلى للمسلمين، وهي تطبيق الشريعة وإقامة الدولة الإسلامية. والدولة الإسلامية هي السبيل إلى رعاية مصالح العباد الدينية والدنيوية.
الأولويات التي تراعى في تطبيق الأحكام الشرعية
وهناك بعض الأمور يجب أن تُراعى في تطبيق الشريعة(13):
1- تقديم الرابطة الدينية على غيرها.
2- تقديم الأصول على الفروع.
3- الأولوية للعقيدة.
4- الأولويات للجانب المعرفي قبل الجانب العملي.
5- الأحكام القطعيّة أولاً.
6- رعاية المصالح برتبها الثلاث، فتقديم المصالح الضرورية على المصالح الحاجيّة، وتقديم الحاجيّة على التحسينية.
7- الفرائض أولاً، ثمّ النوافل.
8- فرائض العين أولاً، ثمّ فرائض الكفاية.
وأما الأولويات في جانب المنهيات:
1- الكبائر بعد الكفر.
2- الصغائر بعد الكبائر.
3- الشبهات بعد الصغائر(14).
ومع ذلك يتبيّن لنا أن من فقه الأولويات ما يأتي:
1- للدعوة إلى الله سُلَّم أولويات ينبغي الحذر من الإخلال به، فالعقيدة هي الأساس، ثم بقية الأركان والواجبات تأتي تباعاً.
2- أولوية التدرُّج في دعوة الناس إلى الله، ومخاطبتهم بما يفهمون، وتحميلهم ما يطيقون، لتجنّب نفورهم عن الإسلام، وإعراضهم عن مبادئه. لأن سمة التدرج ليست من أولويات الدعوة إلى الله فحسب، بل هي سمة من سمات الشريعة الإسلامية عامة، بما فيها الدعوة إلى الله.

الهوامش:
(1) ابن منظور، لسان العرب، ج15، ص05. وابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج6، ص141. والفيومي، المصباح المنير في غريب شرح الكبير، ج2، 672.
(2) سورة القيامة: الآيتان (34-35).
(3) الرازي، مختار الصحاح، ج1، ص740. وابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج6، ص141.
(4) د. عدنان آل عرعور، منهج الدعوة في ضوء الواقع المعاصر، ص10.
(5) د. يوسف القرضاوي، أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة، ص38.
(6) محمد الوكيلي، فقه الأولويات دراسة في الضوابط، ص16.
(7) د. عدنان عرعور، منهج الدعوة في ضوء الواقع المعاصر، ص 10.
(8) د. يوسف القرضاوي، أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة، ص41.
(9) البخاري،الجامع المسند الصحيح، ك/ المغازي، ب/ بعث معاذ إلى اليمن ، رقم الحديث 4347 .
(10) البخاري، الجامع المسند الصحيح، ك/ الصوم، ب/ من أقسم على أخيه ليفطر في التطوع، رقم الحديث 1986.
(11) د. مجدي الهلالي، من فقه الأولويات في الإسلام، دار النشر الإسلامية، القاهرة، ط1، 1414هـ - 1994م، ص7.
(12) ينظر: د. عدنان عرعور، منهج الدعوة في ضوء الواقع المعاصر، ص16. ومحمد الوكيلي، فقه الأولويات، دراسة في الضوابط، ص ت.
(13) ينظر: د. يوسف القرضاوي، السياسة الشرعية في ضوء النصوص الشرعية ومقاصدها، ص307-315 .
(14) المصدر نفسه، ص315-318.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق