02‏/11‏/2015

إن لم تنصت، لن ينصت لك

فاتن محمد
يعد الاتصال من أهم المهارات في الحياة، لأننا نقضي أغلب أوقاتنا في الاتصال مع الآخرين. وتعد القراءة والكتابة والتحدث والإنصات هي أساسيات الاتصال الفعال، فقد أثبتت دراسة قام بها (بولرانكين) حول الوقت الذي يقضيه الإنسان في الأعمال المختلفة في التواصل مع الآخرين، فرأى أنه يقضي:
45% في الإنصات
30% في التحدث
16% في القراءة
9% في الكتابة
فيأتي الإنصات في المرتبة الأولى بينها.
كما يعتبر الإقناع هو المصدر الأمثل للتمييز في العمل، بشكل عام، وفي كل أمر يحاول فيه الإنسان حمل الآخر على اعتناق رأيه، أيا كان الآخر: (مدير، صديق، ابن، زوجة ..). ويعد الإنصات هو المهارة رقم واحد في عملية الإقناع.
ومع أهمية الإنصات الكبيرة في الأمرين، إلا أن الإنسان لم يوله الأهمية التي يستحقها، فغالبية الناس يقضون سنوات في تعلم القراءة والكتابة، بل يوصف الشخص الذي لا يعرف القراءة والكتابة بأنه أُمّيّ. كذلك هناك كثير من الناس يتعلمون فن التحدث، ولكن قلة قليلة من تولي اهتماما بتعلم الإنصات. ومع اعتراف غالبية الناس بأهمية وجود من ينصت إليهم، لكنهم يريدونه من غيرهم لهم، وليس العكس. ومرد ذلك إلى أن الإنسان في مسيرة حياته، يصب اهتمامه على أن يفهمه الآخرون، لا أن يفهم الآخرين. فهو يريد إقناع الآخرين، فيركز على التحدث فقط، وإن استمع للآخر، فلكي يجيبه. فيكون طوال حديث الآخر، مشغولا بإعداد جواب له. فهو إذاً لا يسمعه حقيقة. مع أن الإنسان لا يستطيع إقناع الآخر، إن لم يستطع تفهّمه، وليس فقط فهمه. فهناك فرق كبير بين الفهم والتفهم: فالفهم هو بذل الجهد والتركيز في معرفة ما يقوله الآخر، وهو مانسميه الاستماع. أما التفهم، فهو لا يقتصر على فهم الكلمات فقط، بل يتعداها للتركيز أيضا على نبرة الصوت، ولغة الجسد، بشكل عام، وهو ما نسميه الإنصات. فقد أثبتت الدراسات أن التواصل من خلال الكلمات يأخذ10% ، أما التواصل من خلال نبرات الصوت فهو30% ، والتواصل من خلال لغة الجسد 60%. ففهم الكلمات لا ينقل لنا من حديث الآخر، إلا عشر مراده.
ويعد الإنصات أعلى درجات الاستماع، وأما أعلى درجات الإنصات، فهو الإنصات الفعال، الذي لا يقتصر على تفهم الآخر، بل يتعداه لأن يضع الإنسان نفسه موضع الطرف الآخر، فيستشعر مشاعره فيما يتحدث عنه، يستشعر خوفه فيما يخاف منه، ويستشعر حزنه وكدره، يستشعر سعادته وفرحه، يستشعر آلامه وآماله، ويستشف حاجاته. فبهذه الطريقة نستطيع إقناع الآخر بسهولة، لأن كلامنا سيكون ملامسا لحاجاته، ولظروفه. فعندما نستشعر مشاعره، ستكون حلولنا متناغمة معها. ولذلك سمي بالإنصات الفعال، فهو أكثر الوسائل فاعلية في إقناع الآخر. فنحن مهما بلغت خبرتنا، ومهما امتلكنا من مهارة في التحدث، ومهما بذلنا من جهد في إقناع الآخر، لن يقتنع بآرائنا إن لم تلامس واقعه، وحاجاته. فقد أثبتت الدراسات أن الحاجات التي لم تلب لدى الإنسان، هي ما يثيره. أما الحاجات التي لبيت، فهي لا تحفزه. علاوة على ذلك، أن الإنصات للآخر هو نفسه حاجة لم تلب عند الكثيرين، فجميع الناس بحاجة لمن ينصت لهم، لكن قلة من الناس -كما ذكرنا- ممن ينصتون.
­­­­­­أنواع الإنصات:
الإنصات للنفس، وهو استكشافها، والاستماع للحوار الداخلي الذي يدور فيها، وإدراك نوعيته: هل هو سلبـي، أم إيجابي، ومعالجته إن كان سلبيا. وكذلك كيفية حل مشكلة، أو قضية، نمر بها. ويؤدي أيضاً لفهم الإنسان لنفسه فهماً حقيقياً: لماذا يميل، ماذا يرغب، بماذا يبدع؟
وهذه النقطة الأخيرة مهمة في التحاور، وهي فهم الذات، قبل محاولة فهم الآخر.
والإنسان ينشغل بنفسه وقتاً طويلاً، ولكن بدون وعي. فالتركيز في الاستماع للنفس، وبذل الجهد بذلك، والخلوة بالنفس، هو ما يجعله إنصاتاً للنفس، وهنا تكمن صعوبته.
الإنصات للآخر: (أي: عندما يتحدث). وليس سماع الكلمات وفهمها، وإنما الإحساس به، وبمشاعره، واستجلاء ما وراء الكلمات. وهو مهم جداً للمحاورة. ففهم الآخر يسهل علينا فهمه، وإمكانية إقناعه، عندما نريد ذلك.
ومهم جداً - عند الإنصات للآخر- إيقاف النوع الأول، وهو الإنصات للنفس، والتركيز فقط على الآخر.
الإنصات للجو العام: أي الإنصات لمشاعر الآخرين، عندما يريد الإنسان التحدث لهم، وإدارة الحديث حسب ذلك. وهو مهم جداً للحوار والإقناع، فمعرفة مشاعر الآخر هو أهم مفتاح لإقناعه.
ويختلف عن النوع الثاني، أن النوع الثاني إنصات لحديث الآخر، عندما يتحدث لنا، واستجلاء مشاعره التي وراءها. أما النوع الثالث، فهو استجلاء مشاعر الآخر وهو صامت، وعندما نريد نحن التحدث. وهو يحتاج للتركيز، وبذل الجهد، وللممارسة.
وإن أهم من يحتاج منا للإنصات له، هم: الأبناء، فهم في أمس الحاجة للحديث للأهل، وكذلك لنصيحتهم. وحين يعرض الأبناء عن الحديث للأهل، فهو اعتراض منهم لطريقة الإنصات من الأهل، لا للإنصات ذاته.
فإنصات الأهل للأبناء بطريقة الإنصات الفعال، التي ذكرناها سابقاً، يهدم كثيراً من الجدران التي بينهم وبين أبنائهم، هذا إن وجدت الجدران من أساسها، وذلك إن ابتدأ الإنصات منذ الطفولة، بل ويدفع الأبناء دفعاً للحديث لآبائهم.
أن من المهم جداً عند إنصات الآباء لأبنائهم، أن يحاولوا وضع أنفسهم في ظروف أبنائهم، في زمانهم، ومتغيراته، أن يستشعروا لإمالهم، وآلامهم، ويحاولوا أن يستشعروا طريقة تفكيرهم، وعقليتهم، فتكون نصائحهم لأبنائهم تلمس واقعهم فعلاً.
وهو ما يقود لنقطة مهمة جداً لدى الآباء، وهي إنصات الأبناء لإرشاداتهم. فالآباء حين يريدون قولبة أبنائهم بقالبهم الذي نشؤوا عليه، وبعقليتهم التي هي نتاج زمن وفكر، غير زمن أبنائهم، فيكونون -كما يقال- هم ينادون في واد، وأبناؤهم في وادٍ آخر، وهو ما يدفع أبناءهم لطلب النصيحة من غيرهم، والابتعاد عنهم شيئاً فشيئاً.
يقول (ستيفن كوفي): اشتكى لي أحد الأباء قائلاً: "لا أستطيع فهم ابني، إنه لا يريد الإنصات إليّ". فقال له (ستيفن): دعني أعيد ما قلت: أنت لا تفهم ابنك، لأنه لا يريد الإنصات إليك؟ فأجابه: نعم. فأعاد عليه (ستيفن) كلامه مرة ثالثة .فأجابه الرجل بنفاذ صبر: نعم. فقال له (ستيفن كوفي): "أعتقد أنك لتفهم شخصاً آخر، تحتاج إلى الإنصات إليه أولاً"، فقال الرجل: نعم، ولكني أفهمه، وأعلم ما يمر به، أنا نفسي مررت بالتجربة ذاتها، وأعتقد أن ما لا أفهمه، هو: سبب عدم إنصاته إلي..

إن ما حاول (ستيفن كوفي) أن يفهمه للرجل، ولكن الرجل لم يفهمه، لأنه لا يريد فهمه، أن ينصت لابنه، قبل أن يطلب من ابنه أن ينصت له. فإن لم ينصت له، فلن ينصت هو له..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق