الاثنين، 2 نوفمبر، 2015

أيلان عبدالله كوردي

أيمن عبد السميع حسن
مصر
 توطئة:
قد غبت عنا.. زماناً طويلاً
فقل لي بربك من يرجعك
فعشقك ذنب.. وهجرك ذنب
أسافر عنك ..وقلبـي معك..
(فاروق جويدة)
***
(1)
قبل البَدء..بلحظةٍ.. قراءة على عَجلٍ ..بعد الرحيل ..
في وداعٍ جنائزي مهيب، وبقلوب منفطرة حزناً وأسفاً، شيَّع العالم فارس البراءة، وحارس الطفولة: (أيلان عبد الله كوردي)..
لقد احتضنت أرض سوريا، طفلها الجميل، وأودعته طية من طياتها الحانيات، وتقاطر الرجال الأوفياء؛ لوداع هذا الطفل النبيل، الذي ذابت روحه حنيناً لتراب وطنه.. لقد أفنى الطفل عمره القصير وهو يصلي في محراب الوطن، وأسهم باقتدار  فريد في صقل الوجدان العالمي.. فغادر هذه الدنيا وهو قابض على جمر الوفاء، مترنماً بهذه الطفولة الساحرة، مما يؤكد عمق التحامه بثرى وطنه..
(2)
الطفل الذي حارب الأمواج  ..

وحده وصل إلى الشاطئ، لم يكترث كثيراً بفراقه للدنيا، وإنما كان سعيداً، لأنه سيرتاح.. أخيراً سيغادر إلى عالم يحترم براءته، يخلو من قتلةٍ باسم الدين، وقتلة باسم الوطن، ومهربون لم يروا في مأساته سوى فرصة لجني مزيد من المال.. لم تكن صورة لطفل، وإنما هي الإنسانية التي وصلت إلى شاطئ النهاية؛ لتلفظ أنفاسها الأخيرة، وهي تتابع مأساة مئات الآلاف، الذين ظنوا أنفسهم محظوظين بفرارهم من آلة  الحرب في (سوريا)، ليجدوا أنفسهم في مصير أكثر سوءاً، وهم يواجهون الموت وسط البحر المتوسط.. ربما كان الطفل يحلم بلعبته، التي تركها حُطاماً وسط أنقاض منزله المدمر.. ربما كان يُمني نفسه بلعبة مثلها، في (ألمانيا)، تلك الدولة التي يتحدث عنها والداه، وكأنها الحُلم، لا يعرف عنها الكثير، ولكن يبدو أن بها لعبة مثل التي فقدها تحت الأنقاض، وهذا هو الأهم.. فهل بقي للعالم من بقايا ضمير؟!!
أراه – في مشهد فلاش باك - ما زال وقع خطواته، وصخب حضوره المباغت كرحيله، يضج في أركان البيت، وهو يركل الكرة المطاطية مع أخيه الأكبر.. ويصيح ضاحكاً..
(3)
المشهد/ خارجي/ ليلاً..
مشاعري تتوهج بين المد والجزر، ويغتالني الشرود، ذاك الطفل بات غريقاً، ولن يعود..
كان الظلام يخيّم على سطح البحر الهائج، فراح الأب يصرخ، يمزق نياط القلب، مجذوعاً، يبحث عن أسرته، يستجدي بالأضواء.. لكنه  عندما وصل إلى اليابسة بعد عناء، علم بالكارثة التي حلت بكامل أسرته، فأخذ يصرخ، ويصرخ، وكأنه يطرق أبواب السماء بمعول حزين، كسيراً.. وأخذ يجترّ ما علق بذاكرة ليلة أمس، فقد انزلق ابناه: (غالب - 5 سنوات)، و(أيلان - 3 سنوات)، وأمهم: (ريحان - 35 سنة)، لقد ابتلعهم البحر أمام عينيه، بعد صراع بين الموت والحياة، لكن الموت تغلب، وظل الوالد المثُخن بالجراح  يحثو التراب فوق رأسه، وقلبه ينزف بوجع غير مسبوق..
وقد أكدت مصادر إعلامية تركية، أن الطفل السوري الغريق (أيلان)، والذي رجَّ الكرة الأرضية  بجسده الملائكي، الذي  تلاعبت به الأمواج، هو لأسرة سورية، كانت هاربة من ويلات الحرب بالأراضي السورية.. اسمه بالكامل: (أيلان عبد الله كوردي)، يحمل من العمر القليل.. وكلمة  (أيلان) تعني في اللغة العربية: (حامل راية النصر)..كان الغريق ينام قرير العين، هادئ النفس، يفترش رمال البحر المتوسط في مدينة (بودروم)، جنوب غربي تركيا.. البحر كان عِوضاً عن أن يكون على صدر أمه (ريحان)، والتي غرقت أيضاً في نفس الحادث الأليم ..
لقد كان صدر البحر الهائج أحن عليه من صدور كل البشر، لكن الثابت تاريخياً، أن (أيلان عبد الله كوردي) لم يكن الأول في هذا المصير، ولن يكون الأخير.. نعم، فالمشهد هزّ نفسي، ورجّني كالبيض الفاسد.. عزاء (أيلان) في رحيله المبكر جداً، أن أمه (ريحان) سبقته في رحلته إلى الموت، فلم يحترق قلبها بموته، وموت شقيقه الأكبر (غالب)، سوى بضع لحظات، عاشتها وهي تصارع الأمواج لإنقاذهما، وعندها انتهى كل شيء، وبقيت حُرقة فراقه، وفراق شقيقه، ووالدتهما، تستعر في قلب أبيه: (عبدالله الكوردي).. ظل (أيلان) وحيداً، على شاطئ تسكنه الوحشة والهدوء القاتل.. كان ينام على بطنه، يفترش رمال البحر، يتخذه سريراً، يرقد عليه بكامل ملابسه الحمراء والزرقاء، وكأنها ملابس العيد المبتهجة بنومه، وفي قدميه (النونو)، حذاء صغير، نظيف، كما ألبسته له أمه، الحذاء يحكي عن مباهج وفرحة لصغير لا زال في طوق البراءة.. نقر أن البحر كان رحوماً  بـ(أيلان).. كما أظهر البحر مدى الدقة التي شذب به والده شعره، حيث استخدم في حلق شعر (أيلان) كل تجربته الطويلة في الحلاقة، التي كانت مهنته في (كوباني)، قبل أن يهاجر إلى (تركيا)، فقد صفف البحر شعره، كما لو كانت أمه فعلت ذلك.. الطفل كان يخفي وجهه الصغير بين أحضان الماء، وعيونه الجميلة، الضارعة المستكينة، مغسولة  بخليط من (يود البحر) اللاذع، وزبده، يحلق فوقه  سِرب هائل من طيور (النورس)، زاعقة، تستجدي كل البشر، وترسل لهم إشارات صارخة، وكأنها تصنع – بحرفية- مشهداً جنائزياً مهيباً.. وكان الغريق - بدوره - يرسل أيضاً رسائل نورانية، شديدة اللهجة، صوب السماء، مفاد تلك الرسائل، تخرج مكللة  بتاج من النور المبهج: (إني ذهبت إلى الله مبكراً.. وشكوتكم إليه)..

أراه يعطينا  ظهره، لأننا أعطيناه – قبل ذلك – ظهورنا.. كل البشر أراهم جُناة، في رحيل هذا الملاك الصغير، وكل من على شاكلته.. لقد خذلوه، وهو يصرخ بصوته المبحوح، يصارع الموج والموت في آن واحد، في عرض البحر، وفي بُهمة الليل الغطيس، حتى لفظه البحر - رغم قساوته-  بحنو، دون أن يغير معلماً من معالم جسمه الصغير؛ ليكون هذا المشهد المأساوي  شاهداً عِياناً على قسوة قلوب البشر، ونحن في ذات الوقت، نقبع بعيداً في دورنا، وقصورنا، نلتحف الفُرش الوثيرة، وقد أصابتنا التخمة من َفرط الطعام ..
* (أيلان).. أيها الملاك الصغير، يا أيقونة الحزن الدفين، التي احترقت كبخور العطارين؛ لتنشر طيب الروائح على عالم يمتلئ بالهوان والخِسة.. ربما تكون تلك الروائح المنبعثة من (المبخرة  النابضة) ترياقاً لنا، لنعَالج من أورام وخِصالٍ خبيثة، لا زالت تتأصل فينا..
* في زمان لم تعد الكلمات فيه تستطيع التعبير عن حزن المشاعر، أقول لك يا صغيري:
"نوماً هادئاً .. وراحة أبدية"
لا زلت أتذكر صورة جسد (أيلان)، الملقى كالسمكة الصغيرة على سواحل (تركيا).. الصورة هزت ضمير العالم أجمع، ودفعت زعماء الاتحاد الأوروبي إلى التفكير في إعادة النظر في سياستهم المتبعة إزاء المهاجرين من الشرق الأوسط، لاسيما السوريين.. ونتمنى أن تتحول صورة (أيلان)، الملاك النازل من السماء، إلى حافز يدفع بالعالم إلى وضع حد لمأساة الشعب السوري، المتواصلة منذ أكثر من أربعة أعوام..
*إليك يا (أيلان).. أطأطئ رأسي معتذراً لك يا بني، نيابة عن كل البشر، وبكلماتي التي تتحشرج في حلقي الذي أصابته المرارة، أقول مخاطباً إياك:
- " يا بني .. رغم  طفولتك.. فأنت الرجل الأوحد فينا.. تركتنا واخترت الجنة.. فرحيلك يشهد بجُرمنا..!!"
أيلان: ترى هل بعد رحيلك ستنسحب العتمة رويداً من دروبنا؟!.. ومن سيكون أول اللاحقين بقطار الموت بعدك ؟؟
عذراً.. فميزان الرجولة قد اختل، ومعول النخوة قد كُسر، لكننا نرجو من الله العلي القدير أن يسامحنا على ما فعلناه، وأن يهب لنا من أمرنا رشداً..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق