الاثنين، 2 نوفمبر، 2015

الزكاة في القرآن

سالم بابه شيخ البرزنجي
لقد فهم كثير من الناس من (الزكاة) غير ما قصد منها في القرآن الكريم، فعندما ينطق بهذه الكلمة، ونسمع بها، أو نقرأها في كتابٍ، فلأول وهلة نذهب إلى المعنى والأحكام الفقهية الموضوعة لها في كتب الفقه، ويظن كثير منّا أن (الزكاة) في القرآن ليس لها معنى إلا هذا. . وهذا خطأ وسوء تقدير لهذه الكلمة، فهذه الكلمة لها مدلولها الخاص في القرآن، وموضوعها هو (النفس)، ذات الخصائص الكثيرة، وذات الغرائز المتعددة، والتي تجعلها تتعلق بالدنيا وزينتها، ثمّ إنها مجبولة على جلب المنافع لها، ودرء المفاسد عنها.

فـ(الزكاة)، كغيرها من الكلمات القرآنية، حوّل معناها إلى ما حدد لها من المعاني، والتعريفات، والمصطلحات الجامدة، في كتب الفقه، وغيرها. . ونقصد بالجامدة أنها لا تعطي أثرا على النفس المؤمنة، أثراً إيمانيا إيجابياً، حركياً، وليس عاطفياً. وذلك لحصر معانيها، وتجريدها من مادتها، ولوازمها، والقضايا المرتبطة بها أساساً، وتحويل معانيها ومدلولاتها إلى غير ما جاءت من أجله.
أمّا كلمة (الزكاة)، فقد وردت في القرآن الكريم، ولها مدلولات عميقة جداً، هذا من حيث العمق، ولها أيضا دلالات واسعة جداً، وهذا من حيث الأفق. فمن حيث العمق، تتعلق بالإنسان نفسه، والنفسُ وتزكيتها، ومن حيث الأفق، تتعلق بالإنسان الآخر، والناس وإسعادهم، ونفع الخلق. فإذا وردت لفظة (الزكاة)، فإنها تشير إلى تطهير النفس، وتزكيتها. وإذا وردت لفظ الصدقة، والإنفاق، وغيرهما، فإن فيها إشارة إلى الإنسان الآخر، وإسعاده، ومعونته.
فمن هنا نستطيع أن نرسم للزكاة خطين، خطاً عمودياً، وخطاً أفقياً. فالخط العمودي يتعلق بالنفس، من حيث تطهرها ونموها وتقدمها، وصعودها في درجات الكمال والقرب، أو تأخرها. وأما الرسم الأفقي، فيتعلق بما للنفس من عطاء وإحسان، وتعدد الخيرات، وبذل للمعروف، ونفعها للناس والخلق.
فالعطاء والإنفاق والإحسان نتاج تزكية النفس، أمّا الحصول على زيادة الأجر، ومضاعفته، فمرهون بحسن الأداء في العطاء والإنفاق. ويستلزم هذا منع النفس من الإتيان بما يفسد الأجر، وهذا أيضاً من نتاج تزكية النفس. قال الله تعالى: [مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ، وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ، وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ] البقرة: ٢٦١. في هذه الآية الكريمة أشار الله تعالى إلى أمرين:
الأول: الذين ينفقون في سبيل الله تعالى.
الثاني: ما أنفقوه في سبيل الله تعالى، سواء كان ما أنفقوه كثيراً أو قليلاً.
فالمثل جاء مشيراً إلى كلا الأمرين في الآية معاً، فالحبة هي مثل المؤمن المؤتي للزكاة، وهي حبة خير ونفع في خاصيتها. وأما ما أنبتت تلك الحبة من سبع سنابل، وفي كل سنبلة مائة حبة، مثلٌ لما ينفقه المؤمن المؤتي للزكاة في سبيل الله تعالى. فالمؤمن كثير الخير والعطاء كالسنابل، لذا شبّه الله تعالى النفس الزكية بالحبة الصالحة، وشبّه خير المؤمن وانتفاع الخلق به، بالسنابل، في كل سنبلة مائة حبة، إشارة إلى كثرة خير المؤمن. وكذلك في هذا المثل المضروب، شبّه ما يأخذه المؤمن من الأجر في الآخرة، على ما ينفق في سبيل الله تعالى، بالحبة التي أنبتت سبع سنابل، وفي كل سنبلة مائة حبة، إشارة إلى أن الله سبحانه يضاعف له الأجر أضعافاً كثيرة.
فالمثل وقع على المنفقين، وما ينفقون. فما وقع على المنفقين، يحمَل على تشبيه المنفق بالحبة، في خيرها ونمائها. وما وقع على النفقات، فيحمل على تشبيه تعدد العطاء لدى المؤمن، وكثرة خيره. وكذلك جاء الأجر أو الثواب الذي يعطيه الله تعالى المؤمن في الآخرة، مطابقاً لوصف الحبة والسنابل في نفس الآية.
فالنفس البشرية إذاً تشبه البذرة، في خصائصها ومميزاتها، كلّما زكت ونمت، زادت تلك الخصائص والمميزات، وصارت بذرة مثمرة نافعة مباركة. وكلّما دسّت وعصت، نقصت تلك الخصائص والمميزات، وصارت بذرة شجرة غير نافعة، أو بذرة شوك، أو بذرة شجرة أو نبات سيئة.
فالوسيلة المتاحة للإنسان، والسبب الذي جعل في يديه، لتعريج النفس بمعارج الرقيّ الإيمانيّ، وزيادة تلك الخصائص والمميزات الممكنة للنفس في الدنيا، هي ما يحصل عليه الإنسان من العالم المادّي، من رزق ومال وعلم وأملاك وممتلكات، مما سخّر له، وجعل تحت تصرّفه وقدرته، ومن ثمّ اختبر به، وأن لا يعلّق المؤمن نفسه به، حتى يفرغ القلب لأمر الله تعالى وحده، من غير شكّ يعارض طمأنينة القلب، وأمن الإيمان، ومن غير شهوة تعارض إرادته.
فالمؤمن يعمل على النفس. . ويربّيها تربية مستمرّة، فلا يتركها تجري وراء الملذّات والشّهوات، وما جبلت عليه من حبّ الخير، لأن النفس مجبولة على حبّ الخير لذاتها وحدها، مما يجعلها حريصة على الدنيا، ويصيبها بالشّح والبخل وحب العظمة. وربّما تحسد وتقتل وتغصب وتسرق لتحصل على رغباتها، وتمنّ ما إن هي أحسنت إلى غيرها.
فالله سبحانه يعلمنا بأن الذي خلق وأعطى، هو وحده، ويأمرنا بإضافة نعمه إليه، لأنه هو مالكها الأصليّ. ويأمرنا بالعطاء، لأنه سبحانه جعل العطاء وسيلة لتزكية النفس، والحصول على كمالها، وسعادة الآخرين في الدنيا، مشوّقاً إيّاها زيادة الأجر والثوابّ في الآخرة.
فالإنسان غير القادر على العطاء والإحسان، هو من لم يزكّ نفسه. والإنسان غير المزكّي، عقيم العطاء والإحسان. فإذا زكّى نفسه، أصبح إنساناً معطاءً، خيّراً، محسناً. فالنفس الزكيّة، هي البذرة ذات الخصائص العالية، والمميزات الحسنة، وعطاؤها، وبذل المعروف منها للناس، هو الثمرة. فالبذرة تبيّن الرسم العموديّ للزكاة، والثمرة، تبيّن الرسم الأفقيّ لها.
ولبيان ذلك أكثر، نستطيع القول بأن مبادئ الإسلام العلمية، والعملية، في تقعيد الأعمال والأحكام معاً، مبنيّ على قاعدتين وجوديتين حقيقيتين، وهما:
الأولى: أن الله تعالى لا ينفعه شيء، ولا يضرّه شيء.
الثانية: أن الإنسان لا يستطيع أن ينفع الله بشيء، أو يضرّه بشيء، ولكنه يستطيع فعل هذا أو ذاك مع الناس والخلق.
وإلى هاتين القاعدتين أشار قول الله تعالى: [مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ. إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ. فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ] الذاريات: ٥٧ - 59. فقوله تعالى: [مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ]، يشير إلى القاعدة الأولى، إذ إن حقيقة وجود الله تعالى، أن وجوده لا من شيء، فهو أزلي، له الكمال والجمال والجلال المطلق، لذا لا يحتاج إلى شيء. وإلى القاعدة الثانية أشار قوله تعالى: [فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ]، فعكس الظلم هو العدل والإحسان. والجدير بالذكر هنا أن تلك الآيات جاءت عقب قوله تعالى: [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ] الذاريات: ٥٦. إشارةً إلى أن العبادة ارتبطت ارتباطا كلياً بهاتين القاعدتين، وأن العبادة بأصولها وفروعها وأشكالها المتنوعة ترجع إلى هذين المبدأين.
ويوضّح هذا، أن الله سبحانه أراد أن يعبد بأمره ونهيه، لكن باختيار كامل من الإنسان، فما دام أن الله تعالى لا يحتاج إلى شيء، ولا يعجزه شيء، ولا ينفعه شيء، ولا يضرّه شيء، أناط أمره ونهيه بما فيه صلاح العبد وسعادته. وما دام الإنسان لا يقدر أن ينفع الله تعالى بطاعته له، ولا يقدر أن يضرّه بمعصيته، أنيطتْ عبادته لله تعالى بالإحسان إلى خلقه والناس جميعاً.
فالعبد المؤمن يعرف ربّه، ويقرّ بما له من كمال ونعم، فيضيفها إلى الله تعالى، ويؤدي شكرها، ويحمده عليها، ويجد أن الطريق إلى رضا الله تعالى، ورحمته، ممهدة، ومجعولة في الإحسان إلى الخلق والناس، فيلتمس رضا الله ورحمته بالإحسان إليهم وإسعادهم، عندئذ تزكو النفس، وهذا معنى (الزكاة).
فعلى هذه المعاني ركز القرآن على (الزكاة) تركيزاً كثيراً، وقرن بينها وبين الصلاة في أكثر المواضع. وقد تأتي كلمة (الزكاة) مفردة وغير مقرونة. قال الله تعالى: [وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ] البينة: ٥. وقال: [إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] المزمل: ٢٠. وقال: [وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ] البقرة: ٤٣. وجاء ذكرها مع التقوى: [وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ] الأعراف: ١٥٦. وقال تعالى: [لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ] البقرة: ١٧٧. فهذه الآية فرّقت بين إتيان المال وإتيان (الزكاة). فالآية واضحة جليّة في أن (الزكاة) غير ما ينفقه المؤمن في وجوه الخير، فـ(الزكاة) تحصل للنفس كلّما قامت بفعل الخيرات والعطاء والإحسان، وليس العطاء في حدّ ذاته زكاةً!! وإنما به تزكو النفس، وتصلح، وترتقي في مدارج القرب لدى الله سبحانه.
وعلى هذا، فعلى العبد دوما (إتيان الزكاة)، كما عليه إقامة الصلوات. فالصلاة فيها تمجيد للربّ، والاعتراف بربوبيته، ورحمته، ونعمه، وحمده على ذلك كلّه. و(الزكاة) تهيئة للنفس، وإعدادها، حتى تكون في وجودها سبب خير ونفع للعباد. أما من يخرج زكاة ماله سنويّاً، ويظن أنه بذلك قد قام بـ(إتيان الزكاة)، فخطأٌ ووهمٌ. . لأن إخراج (الزكاة)، بالمفهوم الفقهي، جزء بسيط من المعنى الكلّيّ لإتيان (الزكاة). والعبارة التي يحسن استخدامها لعبارة إخراج (الزكاة) هنا، هي: الصدقة وإتيان المال، كما في الآية.
وربّما يعطي أحدنا زكاة ماله، بالمعنى المتداول في كتب الفقه، لكنّ استعداداته النفسية، وحالته الإيمانية، ونواياه القلبية، تقل عن المستوى المطلوب، أو تعدم، فلا يتزكى بذلك. لأن من علامات زكاة النفس، أن يتجدد العطاء الخيري من المزكّي دوماً، أي: أنه على استعداد كامل، ومهيأ تماما لفعل الخير والبرّ، أينما كان، مع أيّ كان، في أيّ وقت كان، فتحصل له سعادة روحية، واطمئنان قلبـي، وراحة نفسية، ولّذة إيمانية، والإحساس بالتقدّم من منازل القرب الإلهي. مما يجعله ينظر إلى ما لَه من مال ورزق أسباباً لشكر الله تعالى، ووسيلة لفعل الخير وتزكية للنفس، وسبباً لسعادتها الدنيوية والأخروية، ويبتعد تمام البعد عن النظر السطحي، لدى الإنسان العادي، للمال وللدنيا.
وكلّما نظرنا في الآيات القرآنية. . نرى أن إتيان (الزكاة) لا يختصّ به الأغنياء دون الفقراء، كما هو معروف في كتب الفقه، ومدوّن ومتداول فيها. . بل إقامة الصلاة، وإتيان الزكاة، مطلوبان من كلّ عبد مؤمن. وإنّما اختلاف منزلتهم، ودرجاتهم، عند الله، باختلافهم في إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة. فكما أن إقامة الصلاة لا تختصّ بالأغنياء، فـ(الزكاة) كذلك لا تختصّ بهم: أما الأغنياء، فإنهم مأمورون بتأدية نوع خاص من الصدقة، وهو إخراج المال، بمقدار مخصوص، في مال مخصوص، في زمن مخصوص، لأصناف مخصوصة، تأخذها جهة مخصوصة، وهذه الجهة الآخذة هي الحكومة الإسلامية، إن وجدت، ومؤسساتها المالية والاقتصادية، والتي كانت تسمى في زمن الرسول (صلى الله عليه وسلم)، والخلفاء من بعده، بـ(بيت مال المسلمين)، والعاملين عليها.
ويبدو أن هذه المؤسسة المالية في الإسلام، وإن فرضت (الزكاة) على الأغنياء، إلا أنها كانت تقبل ما كان يتبرع به الفقراء والمساكين، وغيرهم. قال تعالى: [الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] التوبة: ٧٩. ففي هذه الآية المباركة دلالة على أن المؤمن ممدوح عند الله بإنفاقه ما يجد في سبيل الله، وعمله محمود وإن قلّ. وأن الله تعالى يسخر ممن يسخر من الذين لا يجدون إلا جهدهم، ولهم عذاب أليم.
والمقصود هنا من الآية. . أن الإنفاق والصدقة غير مخصوصان بالأغنياء دون الفقراء، بل بهما على حد سواء، لكن كلّ بما في وسعه، وبما في مقدرته، وما يقدر عليه. وبذلك يؤتي كلّ واحد منهما بما ينفق ويتصدق (الزكاة)، والعبرة عند الله تعالى بفهم العبد عن الله، ونيّته له، لا بكثرة ما ينفق ويبذل ويعطي ويتصّدق. وإلى هذا المعنى أشار النبـي الكريم (صلى الله عليه وسلم) بقوله: (لَا تَسُبُّوا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِي، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ) صحيح ابن حبان (6994). وهذا لأن نفوس الأصحاب تزكّت، وبالتالي كانت زكية ومرضية عند الله تعالى.
قال تعالى: [وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ] الحشر: ٩. فالبخل والمنع يمنع النفس من النموّ والبلوغ إلى الكمال، وليس هذا فحسب، بل إنّ طريق البلوغ إلى الكمال الممكن للنفس أن يبلغها - وكما أشرنا إليه فيما سبق- مجعول في السخاء والإنفاق والإيثار. فإذا تخلّصت النفس من البخل والحسد والغلّ والحقد وحب الخير، وكلّ ذلك بسبب أن النفس لا تحب ولا ترضى أن يشاركها، في المنافع الدنيوية، والمصالح المادية، أحد، فإنها حينئذ تحصل على الطهر و(الزكاة)، مما يجعلها نفساً مباركة معطاء نافعة، فحينئذ تستحقّ الفلاح، والحصول على رضا الله تعالى.
ومن المعلوم أن (الزكاة) - بالمعنى المتداول في كتب الفقه، وعند الفقهاء- فرضت في العهد المدني. وأمّا (إتيان الزكاة)، فقد أتى ذكرها مع الصلاة والتقوى في العهد المكّي. ما يعني أن (إتيان الزكاة) ليس مرادفاً لإخراج مال مخصوص، بمقدار مخصوص، في زمن مخصوص، لأناس مخصوصين، كما يسمى هذا في كتب الفقه.
بل (إتيان الزكاة) هو التوقّي من شحّ النفس، وما يقيدها بالمتاع الدنيوي، والنظر إلى العالم المادّي نظرة إيمانية، نظرة صائبة حقيقية للمادة. هذه النظرة الإيمانية تجعل المؤمن لا يغترّ بالدنيا، ولا يدع ولا يجعل للشيطان إلى نفسه سبيلاً، يدخل عليها، ويخدعها ويزلّها ويضلّها. ومن ثمّ لا يغدر، ولا يظلم عباد الله على متاع قليل من الدنيا، ولا يمرّ على ظهور العباد، ليحصل على المناصب والمنافع، ولا يظلمهم ما إن تولّى أمرهم، ولا يطمع فيما في أيديهم، ولا يؤثر لنفسه عليهم بشيء من متاع الحياة الدنيا.
فإذا اهتمّ كلّ واحد من المجتمع المسلم بإتيان (الزكاة)، سهل العيش عليهم، وقويت روابطهم، وقلّ فيهم المنكر والذنوب، وانعدم العدوان فيما بينهم، وزاد فيهم التسامح والعفو، واهتم كل لأمر الآخر، وبذلك تتمّ هدايتهم في الدنيا، ويحصلون على السعادة في الآخرة.
فإتيان (الزكاة) بيّنه القرآن أحسن تبيان، وفسّره بأحسن ما يكون من التفسير. ففي بداية نزول الوحي على قلب محمد (صلى الله عليه وسلم)، ورد هذا اللفظ يحمل معانٍ سامية، تصلح بها النفس، وتصلح بها علاقة الإنسان بالإنسان الآخر، وتحسنها. قال تعالى: [قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى. وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى. بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى] الأعلى: ١٤ - ١٧. وقال تعالى: [فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى. وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى] الليل: ٥ - ٢١. وجاءت الإشارة إليها في قوله تعالى، بغير ذكر لفظ (الزكاة): [إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ. وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ] الحاقة: ٣٣ - ٣٤. وسورة الماعون كلّها تدور على معنى الصلاة و(الزكاة): [أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ. فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ. وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ. فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ. الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ. الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ. وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ] الماعون: ١ - ٧.
فـ(الزكاة) معناها يدور حول إيصال النفع، مهما كان ضئيلاً، وأياً كان نوعه، إلى الغير والناس، مشاركة لهم في ما هم فيه، وقضاء لحوائجهم. وتدور أيضاً على معنى محبة الإنسان في وصول الخير والمنافع إلى المحتاجين والفقراء والمساكين، وحثّ الآخرين على ذلك. قال تعالى: [وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا. إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا] الإنسان: ٨ - ٩. وقال تعالى: [لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ، وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ، لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا] الطلاق: ٧. وهذه الآية واضحة في أن الإنفاق لا يختصّ به الأغنياء، بل على ذو سعة أن ينفق من سعته، ومن قدر عليه رزقه، أي: قلّ ماله، فلينفق مما آتاه الله تعالى. وإلى هذا المعنى يحمل قوله (صلى الله عليه وسلم): (اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ) مسند أبو داود الطيالسي/ 1131.
وهنا أريد أن ألقي الضوء على مسألة هامة جداً، وهي إن إخراج (الزكاة) - كما هو معروف - يؤدّى إلى الحكومة الإسلامية، ومؤسساتها المالية والاقتصادية، فعندما يوجد كيان إسلامي مستقل، ومؤسسة مالية إسلامية لجمع الصدقات والتبرعات، وتوزيعها على الفقراء والمساكين، وفي وجوه الخير، وما فيه صلاح العباد والبلاد، فعندئذ يفرض على الأغنياء إخراج صدقات أموالهم، بالطريقة المذكورة في كتب الفقه للأصناف الثمانية المذكورة في قوله تعالى: [إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ، فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] التوبة: ٦٠. فأخذ الصدقة في هذه الحالة إجباريٌّ، من قبل الحكومة الإسلامية، على أغنياء المسلمين، وتودع في بيت مال المسلمين، بدليل قوله تعالى: [خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ، إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ، وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] التوبة: ١٠٣.
أمّا من يخرج صدقات ماله، على ما جاء في كتب الفقه، فليس بمؤتٍ للزكاة، بالمعنى القرآني، بل يبقى عليه نفقات أخرى واجبة، بحسب البيئة التي يعيش فيها، والذين يعيش بين ظهرانيهم، والحالة التي يعايشها المجتمع الإسلامي في زمنه. ولذلك قال النبـي (صلى الله عليه وسلم): (مَا يُؤْمِنُ مَنْ بَاتَ شَبْعَانَ وَجَارُهُ طاوٍ إِلَى جَنْبِهِ) مصنف ابن أبي شيبة/30996. والبيهقي بلفظ: (ليس المؤمن بالذي يشبع و جاره جائع إلى جنبه) 3389. وكذلك قوله (صلى الله عليه وسلم): (يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا: يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قَالَ: فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَكَيْفَ اسْتَطْعَمْتَنِي وَلَمْ أُطْعِمْكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا اسْتَطْعَمَكَ فَلَمْ تُطْعِمْهُ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي؟ يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَكَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَقَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِيَ فُلَانًا اسْتَسْقَاكَ فَلَمْ تَسْقِهِ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِيَ فُلَانًا لَوْ سَقَيْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي؟ يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ، فَلَمْ تَعُدْنِي، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَكَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَقَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِيَ فُلَانًا مَرِضَ، فَلَوْ كُنْتَ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي) صحيح ابن حبان/7366.
ربما يطلق لفظ (الزكاة) على النفقة والصدقة، إطلاق اسم النتيجة، أو الغاية، على الوسيلة. ومن هنا أخطأ الناس في فهم (الزكاة)، وراحوا يفهمونها بالمعنى الفقهي، والمستخدم عند الفقهاء، فقط. وهذا خطأ، فـ(الزكاة) هي عملية تحتاج إلى التكرار، حتى تصفو النفس وتصلح، وتقطع علاقتها بالعالم المادّي. . العلاقة المضرة لها، وتبقى على علاقة نسبية بالعالم المادّي، مما يجعلها تسير سيراً صحيحاً في الحياة الدنيا، وتصير نفساً صالحة، سخّاء، معطاء.
والناظر في الآيات القرآنية، يرى أن الله تعالى في القرآن عظّم شأن الإنفاق غاية التعظيم، وأمر به، ومدح المنفقين، وذكر الإنفاق كأبرز صفات المؤمنين وأعظمها. وقد شدّد القرآن أيضاً فيمن لا ينفق من أمواله في سبيل الله، ويكنزه لنفسه، ويحرم منه غيره. وقصة (أصحاب الجنة)، وقصة (قارون)، وغيرها، خير برهان على هذا. وقوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ، وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ. يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ، هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ] التوبة: ٣٤ - ٣٥. فالآية صريحة فيمن يمنع الناس، وذوي الحاجة منهم، من الخير الذي عنده، ولا ينفقه في سبيل الله، ولا لنشر دينه ونصرته.
قال تعالى: [الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ] البقرة: ٣. وقال تعالى: [الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ] البقرة: ٢٧٤. وقال تعالى: [وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ، وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ] ال عمران: ١٣٣ - ١٣٤. وقال تعالى: [تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ] السجدة: ١٦. وقال تعالى: [وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ] الرعد: ٢٢. وقال تعالى: [الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ] ال عمران: ١٧.
فذكر الله تعالى أن الإنفاق من صفات المؤمنين والمتقين والعباد الذين يرضى عنهم، والصفة في تحققها في شخص تحتاج إلى التكرار والاستمرارية. فـ(الزكاة) ليست صفة للأغنياء فقط، ويحرم منها غيرهم، فكل فرد في المجتمع الإسلامي بإتيانه (الزكاة)، بالمفهوم القرآني، يشارك أخوته في تصعيد المستوى المعيشي لغيره، ولمجتمعه، وجلب الرفاهية لهم. مما يجعل من المجتمع الإسلامي مجتمعاً متكاملا ومتماسكاً ومتكافلا.
فـ(الزكاة) لا تحدد بمقدار معين، من شيء معيّن، كما هو الحال في إخراج (الزكاة) بالمعنى الفقهي. وإنما (الزكاة) التي أمرنا بإتيانها بعد إقامة الصلوات، إنما تحدده البيئة التي يعيش فيها المؤمن، وحاجة العباد الذين حول المؤمن، إلى فيما في يد المؤمن من منافع وخيرات، ويحددها الأشخاص الذين يرتبطون بالمؤمن، بنوع من الأنواع. فالمؤمن يجعل من وجوده مصدر خير ونفع للناس جمعاء، كالشجرة المثمرة تماماً، خضرتها وجمالها وبهجتها، وخيراتها ومنافعها، وظلالها وثمارها، ينبسط المرء برؤيتها، ويأكل من ثمارها، ويستظل بظلها الناس والدواب والطيور. فإذا جعل المؤمن من نفسه نفساً زكية، فالعطاء والنفع والإحسان يكون ملكة لهذه النفس. ففي كل وقت، وفي كل مكان، وفي كل الأحوال، ومع كل أحد، يتجدد هذا العطاء، وهذا النفع، وهذا الإحسان.
فـ(الزكاة)، بهذا الاعتبار، هي زيادة ثمار النفس، بكل أنواعها وأشكالها، وبكل طعم وحلاوة ولون للناس. لذا، نرى من المؤمن المزكي كلّ الخير، وكل ما تنبسط إليه النفوس، في كلامه، في فعاله، في خلقه، في سلوكه، ومعاملته، في أحواله كلها. ولذلك قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (لا تُسَمُّوا العِنَبَ الكَرْمَ، إِنَّمَا الكَرْمُ قَلْبُ المُؤْمِنِ) مختصر صحيح البخاري/2383. والكرم السخاء والعطاء، وكلّما اقتدر المؤمن على فعل الخيرات، والابتعاد من مساوئ الأخلاق، وسيء الخصال، كلّما كانت نفسه تزكو شيئاً فشيئاً، فتحصل له بذلك نفس طاهرة زكية، ويكون في عمل الخير دائماً لربّه، ومع الناس.
وأمّا تعلق (الزكاة) بالمال، وما يمتلكه المؤمن من منافع وخيرات، فلأن النفوس تتعلق بالمال والممتلكات، وما في يد المرء، تعلقاً شديداً. وهذا التعلق يعيق النفس عن الطهر والرقي، ويسبب لها الطغيان، فتستغني، وتتكبر، وتستعلي على الناس. ثمّ إن ما يملكه المرء من مال ومتاع الحياة الدنيا، ومنافع شتى، وكل ما جعل بين يديه، من قبل الله تعالى تكويناً، إنما هو بقصد الاختبار، والتمتع الحلال.
ولولا المال والمنافع، ما وجدت الحياة بالصورة التي نعتادها اليوم. وتخيل الحياة بدون المال والمنافع والعلوم والممتلكات والقدرات الإنسانية، التي توجد عند هذا، ولا توجد عند ذاك، على أي صورة كانت تكون.
فاختلاف الأموال والأرزاق والممتلكات بين الناس، سبب التنوع في الحياة. وسبب لتكون الحاجة بين الناس، كل أنواع الحاجة، وفي كلّ طبقة من طبقات المجتمع، مما جعل الحياة في ناحية جميلة ورائعة للغاية، ومن ناحية أخرى أوجدت الأغنياء والفقراء، والأثرياء والبؤساء. فالأمر بالسعي في إسعاد الناس، ومعاونتهم، هو مما أمر به الخالق الرحمن الرحيم، للتخلص من جشع النفس وشحها، وتعاليها وتجبّرها، وأنانيتها. مما يدفع بالمرء لارتكاب المظالم والغدر والقهر والغصب، وكل أنواع أكل المال الحرام، والحقوق، ومساوئ الأخلاق، مثل الكذب والحيل وعدم الوفاء بالعهد، وغيرها. . مما يؤدي إلى إراحة النفوس وتزكيتها وارتقائها في مدارج العالم الروحي بعيداً عن العالم المادّي المعهود لدى الناس، ولذلك قيل: حب الدنيا رأس كل خطيئة.
فالنفس الزكية، هي التي تخلصت من التعلق بالمادة، التي غايتها التكثير والإلهاء عند حصولها، والغم والهم والخوف عند فقدانها. فالنفس الزكية تحررت من كل الخصال النفسانية السيئة، وقيد وأغلال كلمة (أنا) والأنانية، فهي في تمتعٍ وتنعم بما حصل لها بالإيمان والعمل الصالح، في العالم المعنوي والروحي. وأما في العالم المادّي، فهي تنشر الحب والخير، وتبذل قصارى جهدها في إيصال الخير للناس، واستعمار الأرض، ولا شك بأنها تتنعم بذلك أيضاً.
فالمؤمن المزكي ينظر إلى المال، على أنه في الحصول عليه، وفي بقائه عنده، إذا ما زاد على حوائجه، عقبة له أمام تزكية النفس، والحصول على رضا الله تعالى. وينظر إلى المال، والمتاع الذي بين يديه، على أنه وسيلة تقربه إلى الله، وإلى الناس، فينفق، ويتصدّق، ويحسن إلى الناس، وينشر العلم والخير بينهم.
فالمال إذا كثر، وزاد فوق حاجة أي إنسان، فوجوده كعدمه، إذا ما لم يجعله في نفعٍ وخير. وكلامنا هذا ليس فيه ما يناقض الكسب والادّخار والتجارة، وإنما نعني أن المال كلّما زاد، توسع الإنسان في ادّخاره واستعماله في التجارة، فينسيه ذلك ربّه، ونفسه، ومن حوله، فيدور في دائرة مغلقة. مما يعني أنه يجمع المال، ثمّ يحاول في زيادته، ثمّ يجمع المال، ثم يحاول في إكثاره، ثمّ. . ثمّ. . إلى حد الإلهاء عن الله، واليوم الآخر، وعيش من حوله، وحاجتهم إلى ما في يديه. قال تعالى: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ. حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} التكاثر: ١ - 2.
ولمّا كانت أموال (قارون) قد أنسته نفسه، وربّه، ومن حوله، خسف الله تعالى به وبداره وأمواله وكنوزه الأرض، لأن كونه إنساناً صار عديم الفائدة، وكنوزه وثرواته صارت بلا قيمة، له، ولغيره، فجاء الجزاء من جنس العمل، ألا وهو الخسف، أي: محوه ومسحه من الوجود في الحياة الدنيا. قال تعالى: [فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ] القصص: ٨١.
فالأغنياء، والولاة، وغيرهم، ممن لا يؤدون حق الله، وحق العباد، فيما آتاهم الله في كلّ زمان، وكلّ مكان، وإن لم يخسف الله بهم في الأرض، على أرض الواقع، إلا أنهم، في وجودهم في الحياة الدنيا، كـ(قارون)، وكنوزه، يعدون في عداد الأموات والعدم، مع ما عليهم من حساب يوم القيامة.
فما في يديك. . مما آتاك الله تعالى، ابتغ به وفيه الدار الآخرة، وأنفقه، وتصدق به، وأعطه للمحتاجين، وتمتع به لنفسك بالمعروف، لا العكس. قال تعالى: [وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ، وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ] القصص: ٧٧.
فالقاعدة هي: أحسن كما أحسن الله إليك، ابتغ الدار الآخرة، ولا تنسى نصيبك من الدنيا. فإنك إنْ لم تفعل ذلك، صرت تبغي الفساد في الأرض لا محالة، فحولك من بني جنسك من يقع في المشكلات بسبب الفقر وقلة المال والمؤونة، وهذا يقع في الذنوب والفواحش لنفس السبب، وأنت جامد متغافل، لا تحرك ساكناً، وبإمكانك إصلاح الأمور، أو بعضها، على الأقل، ويمكنك مشاركة الناس في همومهم، فإن لم تكن كذلك، صرت ممن تريد هذا الحال، وترضى به، وصرت مفسداً، إذاً لا تنسى أن الله لا يحب المفسدين.
ولو نظرنا في الإسلام، إلى أسسه وتعاليمه وتوجيهاته، نرى أنه حثّ الإنسان على إسعاد غيره، سواءً بالعلم، أو بالعمل، أو بالمال، أو بالخلق وحسن الكلام. وجعلَ الإنفاق، والصدقة، وإعتاق الرقاب، كفارات لذنوبٍ يكثر وقوعها في الناس، كالحنث في الحلف، والظهار، وغيرها. وحتى في مناجاة رسول الله، في زمن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) نرى أن الله تعالى أمر بالصدقة، كما قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً، ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ، فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] المجادلة: ١٢. كل هذا لأجل أن يكون الإنسان في وجوده مفيداً، والمجتمع سعيداً، والرب سبحانه راضياً.

لا تتمتع بهذه الحياة وتتعلق بها تعلق الرضيع بالأم المرضعة، فقط لا تنسى نصيبك منها، في هذا الإطار الضيق تمتع بالحياة، وأحسن كما أحسن الله إليك، ففي الآخرة تتمتع بكامل التمتع بالحياة هناك، ويحسن إليك على الدوام. قال تعالى: [هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ] الرحمن: ٦٠.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق