02‏/11‏/2015

تأملات في آية الانسلاخ (العلماء المنسلخون)

صالح شيخو الهسنياني
إذا كان لا يمكن سلخ الحيوان وهو حي، فكيف لعالم أو داعية ينسلخ من دينه ويبيعه بعَرَض من الدنيا، إرضاءً لشهواته، وإرضاءَ لرغبات السلطان والشيطان وأعوانه، لاهثاً في السراء والضراء، والسر والعلن، وراء متاع الدنيا ومناصبها، ضارباً بالعلم والمعرفة، والثوابت والمبادئ عرض الحائط؟!! أهوَ سوء الفهم؟ أم هو الفهم بعينه؟ أم هو الالتفاف حول النصوص؟ أم هو نار الحقد والكراهية للآخرين؟ أم هو الخوف على الحياة ؟ أم هو التهرب من الحقيقة؟ أم.. ماذا...؟!
نموذج ذكره الله تعالى في قرآنه الكريم، عن عالم آتاه الله تعالى الآيات فانسلخ منها، حيث انقلب إلى الضد تماماً، بولوجه في الكفر والنفاق، حتى أصبح رأساً يتبعه الشيطان، ليزيده غوايةً وضلالاً.
 وهذا النموذج ضربه الله سبحانه، لينبهنا إلى تكراره في كل مكان وزمان على وجه الأرض، كلما وجد المكذبون بآيات الله تعالى، وكلما وجد المنتفعون من وجود الحاكم الطاغية، ذو السلطان المستبد، وقارونات الاقتصاد والمال، حيث حولهما يتوالد الفكر العفن، والدستور الظالم، على أيدي علماء انسلخوا من دينهم وإيمانهم، إرضاءً لهوى النفس والسلطان والشيطان، وخوفاً من أن تُسلب منهم الحياة، أو مناصب الدنيا الفانية.
قال تعالى: [وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ] (الأعراف:175-176).
قال تعالى: [وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ] (يس:37).
انْسَلَخَ: السَّلْخُ: نزع جلد الحيوان، يقال: سَلَخْتُهُ فَانْسَلَخَ. وعنه استعير: سَلَخْتُ درعه: نزعتها، وسَلَخَ الشهر، وانْسَلَخَ. قال تعالى: [فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ] (التوبة:5)، وقال تعالى: [نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ] (يس:37)، أي: ننزع(1).
من المجاز: (سلخ الله النهار من الليل: استله، فانسلخ): خرج منه خروجاً لا يبقى معه شيء من ضوئه، لأن النهار مكور على الليل، فإذا زال ضوؤه، بقي الليل غاسقاً، قد غشي الناس(2).
وشاة سليخ: كشط عنها جلدها... والسليخة: قضيب القوس، إذا جردت من نحتها، لأنها استخرجت من سلخها، وكل شيء يفلق عن قشر، فقد انسلخ. ومسلاخ الحية، وسلختها: جلدتها التي تنسلخ عنها، وقد سلخت الحية تسلخ سلخاً، وكذلك كل دابة تنسري من جلدتها(3). [فَانْسَلَخَ] عبارة عن البراءة منها، والانفصال والبعد، كالسلخ من الثياب(4).
والانسلاخ: الخروج، يقال: انسلخت الحية من جلدها، أي: خرجت منه. وقيل: هذا من المقلوب، أي: انسلخت الآيات منه(5).
لْهَثْ: اللهث واللهاث: حر العطش في الجوف. واللهثان: العطش، العطشان، لهث الكلب، دلع لسانه من شدة العطش والحر والتعب، وكذلك الطائر إذا أخرج لسانه من حر أو عطش، وكذلك الرجل إذا أعيا(6).
الْغَاوِينَ: الغاوي والغَوِيّ هو من يضل عن الطريق، وهو الممعن في الضلال. ونعلم أن الهدى هو الطريق الموصل للغاية، ومن يشذ عن الطريق الموصل للغاية، يضل أو يتوه في الصحراء. وهو الذي يُسمى (الغاوي)، وما دام من الغاوين عن منهج الله، فالفساد ينشأ منه، لأنه فسد في نفسه، ويفْسد غيره(7).
 ما هي الآيات المنسلخة منها؟
قال تعالى: [وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا].
يقول الرازي: " أما قوله تعالى: [آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا]، ففيه قولان:
القول الأول: [آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا]، يعني: علمناه حجج التوحيد، وفهمناه أدلته، حتى صار عالما بها، فانسلخ منها، أي: خرج من محبة الله إلى معصيته، ومن رحمة الله إلى سخطه. ومعنى انسلخ: خرج منها. يقال لكل من فارق شيئاً بالكلية: انسلخ منه.
والقول الثاني: [آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا]، أي: بيناها فلم يقبل، وعري منها. وسواء قولك: انسلخ، وعري، وتباعد، وهذا يقع على كل كافر لم يؤمن بالأدلة، وأقام على الكفر(8).
واعلم أن حاصل الفرق بين القولين: هو أن هذا الرجل في القول الأول، كان عالماً بدين الله، وتوحيده، ثم خرج منه. وعلى القول الثاني، لما آتاه الله الدلائل والبينات، امتنع من قبولها. والقول الأول أولى، لأن قوله: [فَانْسَلَخَ مِنْهَا]، يدل على أنه كان فيها، ثم خرج منها. وأيضاً فقد ثبت بالأخبار، أن هذه الآية إنما نزلت في إنسان كان عالماً بدين الله تعالى، ثم خرج منه إلى الكفر والضلال(9).

الانسلاخ يحتاج إلى جبروت معصية
قوله تعالى: [فَانْسَلَخَ مِنْهَا]
هذا مثل ضربه الله تعالى للمكذبين بآيات الله، المنزلة على رسوله (h)، على ما أيدها به من الآيات العقلية والكونية. وهو مثل من آتاه الله تعالى آياته، فكان عالماً بها، حافظاً لقواعدها وأحكامها، قادراً على بيانها، والجدل بها، ولكنه لم يؤت العمل مع العلم، بل كان عمله مخالفاً لعلمه تمام المخالفة، فسلبها; لأن العلم الذي لا يعمل به، لا يلبث أن يزول، فأشبه الحية التي تنسلخ من جلدها، وتخرج منه، وتتركه على الأرض (ويسمى هذا الجلد المسلاخ)، أو كان في التباين بين علمه وعمله، كالمنسلخ من العلم، التارك له، كالثوب الخلق يلقيه صاحبه، والثعبان يتجرد من جلده، حتى لا تبقى له به صلة. فحاصل معنى المثل: أن المكذبين بآيات الله تعالى، المنزلة على رسوله محمد(h)، على إيضاحها بالحجج والدلائل، كالعالم الذي حرم ثمرة الانتفاع من علمه; لأن كلا منهما لم ينظر في الآيات نظر تأمل واعتبار وإخلاص(10).
إنه مشهد من المشاهد العجيبة، الجديدة كل الجدة على ذخيرة هذه اللغة من التصورات والتصويرات..
إنسان يؤتيه الله آياته، ويخلع عليه من فضله، ويكسوه من علمه، ويعطيه الفرصة كاملة للهدى والاتصال والارتفاع.. ولكن ها هو ذا ينسلخ من هذا كله انسلاخاً. ينسلخ، كأنما الآيات أديم له، متلبس بلحمه، فهو ينسلخ منها بعنف وجهد ومشقة، انسلاخ الحي من أديمه اللاصق بكيانه.. أو ليست الكينونة البشرية متلبسة بالإيمان بالله، تلبس الجلد بالكيان؟.. ها هو ذا ينسلخ من آيات الله، ويتجرد من الغطاء الواقي، والدرع الحامي(11).
المهم أنّ إنساناً آتاه الله آياته، ثم انسلخ من الآيات، فبدلاً من أن ينتفع بها، صيانة لنفسه، وتقرباً إلى ربه [فانسلخ مِنْهَا]، واتبع هواه، ومال إلى الشيطان.
وكلمة [فَانْسَلَخَ] دليل على أن الآيات محيطة بالإنسان إحاطة قوية، لدرجة أنها تحتاج جبروت معصية، لينسلخ الإنسان منها، لأن الأصل في السلخ إزاحة جلد الشاة عنها، فكأن ربنا يوضح أنه سبحانه وتعالى أعطى الإنسان الآيات، فانسلخ منها. وهذا يعني أن الآيات تحيط بالإنسان، كما يحيط الجلد بالجسم، ليحفظ الكيان العام للإنسان، لأن هذا الكيان العام فيه شرايين، وأوردة، ولحم، وشحم، وعظام. وجعل الله التكاليف الإيمانية صيانة للإنسان، ولذلك سمي الخارج عن منهج الله: (فاسقاً)، مثله مثل الرطبة من البلح، فبعد أن تضرب الشمس البلحة، يتبخر منها بعض من الماء، فتنكمش ثمرة البلحة داخل قشرتها، وتظهر الرطبة من القشرة. ولذلك سمي الخارج عن المنهج (فاسقاً)، من فسوق الرطبة عن قشرتها. والله عَزَّ وَجَلَّ يقول هنا: [آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا]، وكان يجب ألا يغفل عنها، لأن الإتيان نعمة، جاءت ليحافظ الإنسان عليها، لكن الإنسان انسلخ من الآيات(12).
عجباً، شيطان يتبع غاوياً!!!
قال تعالى: [فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ].
[فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ] أي أدركه. يقال: أتبعت القوم: إذا لحقتهم، وتبعتهم: سرت في إثرهم(13).
يقول (الرازي): "أما قوله: [فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ]، ففيه وجوه:
الأول: أتبعه الشيطان كفار الإنس وغواتهم، أي: الشيطان جعل كفار الإنس أتباعاً له.
والثاني: [فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ] أي: أدركه. يقال: أتبعت القوم. أي: لحقتهم. قال أبو عبيدة: ويقال: أتبعت القوم"(14).
من الهدى إلى الغواية
وقوله: ؛فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ]، أي: أطاع الشيطان، فكان من الظالمين. قال أهل المعاني: المقصود منه، بيان أن من أوتي الهدى، فانسلخ منه إلى الضلال والهوى والعمى، ومال إلى الدنيا، حتى تلاعب به الشيطان، كان منتهاه إلى البوار والردى، وخاب في الآخرة والأولى(15).
فأتبعه الشيطان، فكان من الغاوين أي: فترتب على انسلاخه منها، باختياره، أن لحقه الشيطان، فأدركه، وتمكن من الوسوسة له، إذ لم يبق لديه من نور العلم والبصيرة، ما يحول دون قبول وسوسته، وأعقب ذلك أن صار من الغاوين، أي الفاسدين المفسدين(16).
تزكية الشيطان
وإذا انسلخ من آتاه خبر الإيمان عن المنهج، يقول الشيطان: إنه يصلح لأن يتبعني، وكأن الشيطان حين يجد واحداً فيه أمل، فهو يجري وراءه، مخافة أن يرجع إلى ما آتاه الله من الكتاب، الحامل للمنهج. ويزكي الشيطان، في نفس هذا الإنسان، مسألة الخروج عن منهج ربنا.
وقلنا من قبل: إن المعاصي تأتي: مرة من شهوة النفس، ومرة من تزيين الشيطان. وأوضحنا الفارق، وقلنا: إن الشيطان لا يجرؤ عليك، إلا إن أوضحت للشيطان، بسلوكك، أن له أملاً فيك. لكن إن اهتديت، وأصلحت من حالك، فالشيطان يوسوس للإنسان في الطاعة، ويحاول أن يكرهه فيها. والشيطان لا يذهب - مثلاً - إلى الخمارة، بل يقعد عند الصراط المستقيم، ليرى جماعة الناس التي تتجه إلى الخير، أما الآخرون، فنفوسهم جاهزة له. إذاً، فالشيطان ساعة يرى واحداً بدأ في الغفلة عن الآيات، فهو يلاحقه، مخافة أن تستهويه الآيات ثانية. ولذلك، لا بد لنا أن نفرق بين الدافع إلى المعصية: هل هو من النفس، أم من نزغ الشيطان؟ فإن جاءت المعصية، وحدثتك نفسك بأن تفعلها، ثم عزت عليك تلك المعصية، لأي ظرف طارئ، ثم ألححت عليها ذاتها، مرة ثانية، فاعلم أنها شهوة نفسك. لكن إن عزت عليك، ثم فكرت في معصية ثانية، فهذا من نزغ الشيطان، لأن الشيطان لا يريدك عاصياً بمعصية مخصوصة، بل يريدك بعيداً عن المنهج فقط، لكن النفس تريد معصية بعينها، وتقف عندها. فإن رأيت معصية وقفت عندها نفسك، فاعلم أنها من نفسك، وإن امتنعت عليك معصية، وتركتها، ثم فكرت في معصية ثانية. فهذا نزغ من الشيطان(17).
من الرفعة والسمو، إلى شهوات الدنيا
قوله تعالى: [وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ].
[وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا]، أي: ولو أردنا أن نرفعه بتلك الآيات، إلى درجات الكمال والعرفان، التي تقرن فيها العلوم بالأعمال، لفعلنا، بأن نخلق له الهداية خلقاً، ونحمله عليها، طوعاً أو كرهاً. فإن ذلك لا يعجزنا، وإنما هو مخالف لسنّتنا(18).
وقال (ابن عباس)، وجماعة معه: معنى [لَرَفَعْناهُ]، أي: لشرفنا ذكره، ورفعنا منزلته لدينا، بهذه الآيات التي آتيناه، ولكنه لازم وتقاعس وثبت. والمخلد: الذي يثبت شبابه، فلا يغشاه الشيب(19).
يقول الشيخ (الشعراوي): "ويقول الحق بعد ذلك: [وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ...]، وهنا أمران اثنان: الرفعة: وهو العلوّ والتسامي. ويأتي بعدها الأمر الثاني: وهو الإخلاد إلى الأرض، أي إلى التسفّل. والفعلان منسوبان لفاعلين مختلفين.
[وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ]، والفعل (رفع)، هنا، مسند لله. ولكنه اختار أن يخلد في الأرض. وجاء الأمر كذلك، لأن الرفعة من المعقول أن تنسب لله. لكن التسفل لا يصح أن يُنسب لله، وإن كان كل فعل هو بأمر صاحب الكون. وربنا هنا يرفع من يسير على المنهج. وحين يقول الحق تبارك وتعالى: [وَلَوْ شِئْنَا] أي: إنها مشيئتنا. فلو أردنا أن نرفعه، كانت المشيئة صالحة، لكن هذا الأمر ينقض الاختيار، والحق يريد أن يُبقَي للإنسان الاختيار، فإن اختار الصواب، فأهلاً به، وجزاؤه الجنة، وإن أراد الضلال، فلسوف يَلْقى العذاب الحق. وهنا يقول الحق: [وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا]، لماذا؟.. لأن مشيئة الله – كما يقول الشيخ الشعراوي- "مشيئة مطلقة، يفعل ما يريده، ولكنه سبحانه قد سبق منه أن جعل للاختيار جزاءً، لهذا لم يرفعه، مع أنه مخالف، لأنها سنة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلاً.
وسنة الله أن من عمل عملاً طيباً، يثيبه الله عليه. ومن عمل سوءاً، يعاقبه. ومشيئته سبحانه مطلقة، ولا راد لمشيئته، ولا معقب لحكمه.
وبمقتضى مشيئة الله، فهو يعذب المذنب، بعدله، ويثيب الطائع، بفضله، وله سبحانه مطلق الإرادة، فهو عزيز، وحكيم، في كل فعل: [وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا ولكنه أَخْلَدَ إِلَى الأرض واتبع هَوَاهُ]. و[أَخْلَدَ إِلَى الأرض]، أي: أنه اختار أن ينزل إلى الهاوية، رغم أن الحق هدى الإنسان، وبين له طريق الخير، ليسلكه، فيصعد إلى العلو"(20).
الركون إلى الدنيا
قوله تعالى: [أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ]، أي ركن إلى الدنيا وسكن(21).
وقال الزجاج: معناه: ولكنه سكن إلى الدنيا... سكن إلى لذّات الأرْض(22).
وقال ابن الجوزي: "وفي معنى الكلام قولان: أحدهما: أنه رَكَن إلى أهل الدنيا. والثاني: أنه ركن إلى شهوات الدنيا"(23).
ويقول ابن عطية: "وقوله: [إِلَى الْأَرْضِ] يحتمل أن يرد إلى شهواتها، ولذاتها، وما فيها من الملاذ. قاله السدي، وغيره. ويحتمل أن يريد بها العبارة عن الأسفل والأخس، كما يقال: فلان في الحضيض. ويتأيد ذلك من جهة المعنى المعقول، وذلك أن الأرض، وما ارتكز فيها، هي الدنيا، وكل ما عليها فان، من أخلد إليه فقد حرم حظ الآخرة الباقية"(24).
اتباع الهوى
قوله تعالى: [واتبع هَوَاهُ]
اعلم أن الهوى ميل الطبع إلى ما يلائمه. وهذا الميل قد خلق في الإنسان لضرورة بقائه، فإنه لولا ميله إلى المطعم ما أكل، وإلى المشرب ما شرب، وإلى المنكح ما نكح، وكذلك كل ما يشتهيه. فالهوى مستجلب له ما يفيد، كما أن الغضب دافع عنه ما يؤذي. فلا يصلح ذم الهوى على الإطلاق، وإنما يذم المفرط من ذلك، وهو ما يزيد على جلب المصالح ودفع المضار. ولما كان الغالب من موافق الهوى، أنه لا يقف منه على حد المنتفع، أطلق ذم الهوى والشهوات، لعموم غلبة الضرر، لأنه يبعد أن يفهم المقصود من وضع الهوى في النفس(25).
يقول السيد محمد نوح: "يطلق الهوى على عدة معان، نذكر منها:
- ميل النفس إلى ما تشتهي.
- إرادة النفس ما تحب.
- عشق الشيء، وتمكنه من القلب.
وحقيقة الحال أن هذه المعاني جميعا متقاربة، وإن اختلف العبارة أو اللفظ. إذ المعنى الأول، والثاني: يصوران الهوى، في بدايته، على أنه مجرد ميل وإرادة قلبية، دون تمكن واستقرار. أما المعنى الثالث: فيصوره، في وسطه، على أنه حب أو غلبة قلبية.
المراد بالهوى لغة، فإننا نقول: أن اتباع الهوى في اللغة هو: السير وراء ما تهوى النفس، وما تشتهي، بل ما تحب.
اتباع الهوى اصطلاحا: أما المراد باتباع الهوى في الاصطلاح الشرعي، والدعوة، فهو السير وراء ما تهوى النفس وتشتهي، أو النزول على حكم العاطفة، من غير تحكيم العقل، أو الرجوع إلى شرع، أو تقدير لعاقبة"(26).
وقال حبنكة الميداني: "والهوى شعور يميل النفس إلى ما تحب من مطالب وحاجات، أو متع ولذات وشهوات، أو عواطف وانفعالات، وقد يكون ما تهواه شراً لها، أو أذى أو ضراً"(27).
وقال آخر: ميل النفس إلى الشهوة، فهي تهوي بصاحبها إلى الهاوية، وهو السقوط من علٍ. كأن من يتبع هواه يسقط في الهاوية، وهي جهنم. فاتباع الهوى منتهى الضلال(28).
قوله: [واتبع هَوَاهُ] معناه: أنه أعرض عن التمسك بما آتاه الله من الآيات واتبع الهوى، فلا جرم وقع في هاوية الردى، وهذه الآية من أشد الآيات على أصحاب العلم، وذلك لأنه تعالى بعد أن خص هذا الرجل بآياته وبيناته، وعلّمه الاسم الأعظم، وخصه بالدعوات المستجابة، لما اتبع الهوى، انسلخ من الدين، وصار في درجة الكلب. وذلك يدل على أن كل من كانت نعم الله في حقه أكثر، فإذا أعرض عن متابعة الهدى، وأقبل على متابعة الهوى، كان بعده عن الله أعظم(29).
نقطة الارتكاز: النهي عن اتباع الهوى:
يقول سبحانه: [فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى] (سورة النساء: 135 ).
قال ابن القيم: "وقد قيل: الهوى كمين لا يؤمن. قال الشعبـي: وسمي هوىً، لأنه يهوي بصاحبه. ومطلقه يدعو إلى اللذة الحاضرة، من غير فكر في العاقبة، ويحث على نيل الشهوات عاجلاً، وإن كانت سببا لأعظم الآلام عاجلاً وآجلاً. فللدنيا عاقبة قبل عاقبة الآخرة، والهوى يعمي صاحبه من ملاحظتها"(30).
ويقول سبحانه: [وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ] (ص: 26 ).
قال الزمخشري: "هوى النفس في قضائك وغيره، مما تتصرف فيه من أسباب الدين والدنيا"(31). وقال الخازن: "أي: لا تمل مع ما تشتهي، إذا خالف أمر الله تعالى"(32).
قال سيد قطب: "ونهي النفس عن الهوى، هو نقطة الارتكاز في دائرة الطاعة. فالهوى هو الدافع القوي لكل طغيان، وكل تجاوز، وكل معصية. وهو أساس البلوى، وينبوع الشر، وقل أن يؤتى الإنسان إلا من قبل الهوى. فالجهل سهل علاجه. ولكن الهوى، بعد العلم، هو آفة النفس، التي تحتاج إلى جهاد شاق طويل الأمد لعلاجها.
والخوف من الله هو الحاجز الصلب أمام دفعات الهوى العنيفة. وقلّ أن يثبت غير هذا الحاجز أمام دفعات الهوى. ومن ثم يجمع بينهما السياق القرآني في آية واحدة. فالذي يتحدث هنا هو خالق هذه النفس، العليم بدائها، الخبير بدوائها، وهو وحده الذي يعلم دروبها ومنحنياتها، ويعلم أين تكمن أهواؤها وأدواؤها، وكيف تطارد في مكامنها ومخابئها!
ولم يكلف الله الإنسان ألا يشتجر في نفسه الهوى. فهو سبحانه يعلم أن هذا خارج عن طاقته. ولكنه كلفه أن ينهاها ويكبحها ويمسك بزمامها. وأن يستعين في هذا بالخوف. الخوف من مقام ربه الجليل العظيم المهيب. وكتب له بهذا الجهاد الشاق، الجنة، مثابة ومأوى: [فإن الجنة هي المأوى].. ذلك أن الله يعلم ضخامة هذا الجهاد، وقيمته كذلك في تهذيب النفس البشرية وتقويمها ورفعها إلى المقام الأسنى.
إن الإنسان إنسان بهذا النهي، وبهذا الجهاد، وبهذا الارتفاع. وليس إنساناً بترك نفسه لهواها، وإطاعة جواذبه إلى دركها، بحجة أن هذا مركب في طبيعته. فالذي أودع نفسه الاستعداد لجيشان الهوى، هو الذي أودعها الاستعداد للإمساك بزمامه، ونهي النفس عنه، ورفعها عن جاذبيته، وجعل له الجنة جزاء ومأوى، حين ينتصر ويرتفع ويرقى.
وهنالك حرية إنسانية تليق بتكريم الله للإنسان. تلك هي حرية الانتصار على هوى النفس، والانطلاق من أسر الشهوة، والتصرف بها في توازن تثبت معه حرية الاختيار والتقدير الإنساني. وهنالك حرية حيوانية، هي هزيمة الإنسان أمام هواه، وعبوديته لشهوته، وانفلات الزمام من إرادته. وهي حرية لا يهتف بها إلا مخلوق مهزوم الإنسانية، مستعبد يلبس عبوديته رداء زائفاً من الحرية"(33).
الهوى أُمُّ المعاصي
يقول سبحانه وتعالى: [فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ] (القصص: 50).
قال سيد قطب: "إن الحق في هذا القرآن لَبيّن، وإن حجة هذا الدين لواضحة، فما يتخلف عنه أحد يعلمه، إلا أن يكون الهوى هو الذي يصده. وإنهما لطريقان لا ثالث لهما: إما إخلاص للحق، وخلوص من الهوى، وعندئذ لا بد من الإيمان والتسليم. وإما مماراة في الحق، واتباع للهوى، فهو التكذيب والشقاق. ولا حجة من غموض في العقيدة، أو ضعف في الحجة، أو نقص في الدليل. كما يدّعي أصحاب الهوى المغرضون.
[فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ].. وهكذا جزماً وقطعاً. كلمة من الله لا رادّ لها، ولا معقّب عليها.. إن الذين لا يستجيبون لهذا الدين، مغرضون، غير معذورين. متجنّون، لا حجّة لهم، ولا معذرة، متّبعون للهوى، معرضون عن الحق الواضح: [وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ]، وهم في هذا ظالمون باغون: [إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ]. إن هذا النص ليقطع الطريق على المعتذرين بأنهم لم يفهموا عن هذا القرآن، ولم يحيطوا علماً بهذا الدين. فما هو إلا أن يصل إليهم، ويعرض عليهم، حتى تقوم الحجة، وينقطع الجدل، وتسقط المعذرة. فهو بذاته واضح، لا يحيد عنه إلا ذو هوى يتّبع هواه، ولا يكذب به إلا مُتَجّن يظلم نفسه، ويظلم الحق البيّن، ولا يستحق هدى الله"(34).
وقال ابن رجب الحنبلي: "جميعُ المعاصي تنشأ من تقديم هوى النفوس على محبة الله ورسوله. وقد وصف الله المشركين باتِّباع الهوى، في مواضع من كتابه. وقال تعالى: [فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ]، وكذلك البدعُ، إنَّما تنشأ من تقديم الهوى على الشَّرع، ولهذا يُسمى أهلُها أهل الأهواء، وكذلك المعاصي، إنَّما تقعُ من تقديم الهوى على محبّة الله، ومحبّة ما يُحبه"(35).
يقول الدكتور طه جابر: "وأنواع الهوى متعددة، وموارده متشعبة، وإن كانت في مجموعها ترجع إلى (هوى النفس، وحب الذات). فهذا الهوى منبت كثير من الأخطاء، وحشد من الانحرافات. ولا يقع إنسان في شباكه، حتى يزيّن له كل ما من شأنه الانحراف عن الحق، والاسترسال في سبيل الضلال، حتى يغدو الحق باطلاً، والباطل حقّاً، والعياذ بالله"(36).
قوله تعالى: [فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ]
الكلب من الثدييات المشيمية، آكلة اللحم، التي تتبع رتبة خاصة من رتب طائفة الثدييات، وتضم ثدييات من تعرف باسم رتبة آكل اللحوم، مثل: الكلب، وابن آوى، والثعلب، والذئب، والفقمة، أو عجل البحر، والدب، والأسد، والنمر، والقط. وكلها تأكل اللحوم.
والكلاب، في الطبيعة، تميل إلى العيش في جماعات منظمة، وإلى الخروج إلى الصيد في جماعات منظمة، كذلك.
يدقّ قلب الكلب (70-120) دقة في الدقيقة، وتبلغ درجة حرارة جسم الكلب الطّبيعية (38,6) درجة مئوية. لا تُبَرِّدُ الكلاب أجسامها بالعرق، وإنما يخرج الكلب لسانه، ويلهث، عند الراحة. تتراوح سرعة تنفس الكلب بين (10و30) لهثة في الدقيقة، وبعد المجهود، يزداد معدّلُ اللهاث بسرعة تصل إلى أكثر من (300) لهثة في الدقيقة. ويؤدي بخر الماء من الفم، بسبب اللهاث، إلى خفض درجة حرارة الجسم. وللكلاب غدد عرقية على وسادات الأقدام، ولكنها لا تقوم بخفض درجة حرارة جسم الكلب، إلا بصورة ضئيلة.
الحواس: حاسة الشم هي أكثر حواس الكلب قوة. فالكلاب تتعرَّف على الأشياء أساسًا بوساطة الشم، أكثر مما يتعرّف البشر عليها بالنّظر. وتستطيع الكلاب تمييز بعض الروائح، التي تكون أضعف ملايين المرَّات من التي يتعرَّف عليها البشر. كما يستطيع الكلب، بشمّ مجموعة من الأشياء، استخراج تلك التي لمسها شخص بعينه. ويحفظ طرف أنف الكلب الرطوبة، بوساطة سائل مُفْرَز من غدّة داخل الأنف. وتساعد تلك الرطوبة الكلب على تمييز الروائح. كما يلحس الكلب أنفه، للمحافظة على رطوبته. بالإضافة إلى أن الشعرات الموجودة حول فم الكلب، يمكن أن تحدد اتجاه الريح، ويساعد الكلب على تحديد الجهة التي أتت منها الرائحة.
وللكلاب أيضًا حاسة سمع، أقوى كثيرًا من تلك الموجودة عند البشر، إذ تستطيع سماع الأصوات التي لا يدركها سمع البشر. كما أنها تميّز بين الأصوات المتداخلة.
ولا تستطيع الكلاب الرؤية جيداً، مثل البشر. وعلى الرغم من أنها تستطيع تمييز الحركة، تمييزًا جيدًا ـ الأمر الذي يساعدها على الصيد بمهارة ـ إلا أنها ترى الأشكال بدرجة أقل مما يراها البشر. ولا تستطيع الكلاب تمييز بعض الألوان أيضاً، فمثلاً ترى اللون الأخضر، والأصفر، والبرتقالي، والأحمر، كأنها درجة لونية واحدة(37).
لماذا يلهث الكلب؟
إذا أخرج لسانه من الحر والعطش، أو من التعب والإعياء، أوالإجهاد والمرض، و(اللهثان)، بفتح الهاء: العطش. وبسكونها: العطشان. ويعرّف (لهث) الكلب، و(لهاثه)، بأنه الأنفاس السريعة، الضحلة، التي يأخذها الكلب، عن طريق فمه المفتوح، ولسانه المتدلي إلى الخارج، وذلك من أجل تزويد جسمه بقدر كاف من الأوكسجين، وضبط كل من كمية الماء، ودرجة الحرارة في الجسم، وتهويته في حالات الحر الشديد. والسبب في ذلك، أن جسم الكلب لا يحمل غدداً عرقية، إلا في باطن أقدامه فقط. وهذه لا تفرز من العرق ما يكفي لتنظيم درجة حرارة جسمه. ولذلك، فإن الكلب يستعين بعملية (اللهاث)، لتعويض غيبة الغدد العرقية في غالبية جسمه، ولوجود الشعر الكثيف الذي يغطي أغلب الجسم، فيرفع من درجة حرارته، خاصة في غيبة الغدد العرقية، التي تقوم بتنظيم درجة حرارة أجساد أغلب الكائنات الحيّة الأرضية.
واللهث، هو زيادة في عدد مرات التنفس السريع، والقصير المدى، زيادة ملحوظة عن معدلات التنفس العادي، مع تعريض مساحة أكبر من داخل الجسم (كاللسان، والفم)، ومن الجهاز التنفسي (بدءاً من المنخار، إلى فراغات كل من الأنف والفم، إلى كل من البلعوم، والحنجرة، والمريء)، لتيار مستمر من الهواء، يزيد من كمية الأوكسجين الداخل إلى الجهاز التنفسي، وفي نفس الوقت يقوم بتبخير جزء من الماء الموجود في الأنسجة، التي يمر بها، فيؤدي إلى تبريد الجسم، وخفض درجة حرارته. ويساعد على ذلك ما يقوم به الكلب أحياناً من لحس الأطراف، ولحس بقية ما يطول لسانه من جسمه، وتبليله بلعابه، حتى يتبخر ذلك، ويساعد على خفض درجة حرارة جسمه.
ومن بديع صنع الخالق (سبحانه وتعالى)، أن لهاث الكلب يؤثر فقط على مقدمات الجهاز التنفسي، ولا يقتضي الانتفاخ الكامل للرئتين، وأسناخهما، لإتمام عملية التبادل الكامل بين أوكسجين الهواء الداخل، وثاني أوكسيد الكاربون بالرئتين. وذلك لأن أغلب الهواء الداخل بعملية اللهث، لا تتجاوز حركته ما يسمى باسم الفراغ الميت من الجهاز التنفسي، الذي يمتدّ من كل من الأنف والفم، وفراغاتهما، إلى كل من البلعوم، والحنجرة، والمريء، والقصبة الهوائية، بتفرعاتها، ولكنه لا يكاد يصل إلى الرئتين، حتى لا يؤدي ذلك إلى زيادة فقد (ثاني أوكسيد الكاربون) من الرئتين، مما قد يتسبّب في مرض يعرف باسم مرض القلاء.
ومن أحكام الخلق في بناء جسم الكلب، أن عملية اللهاث تتم بأقل قدر ممكن من حركة العضلات، وهي أكثر أجزاء جسم الكلب نمواً (ومن أبرزها عضلة اللسان)، وبحركتها ترتفع درجة حرارة الجسم. ولذلك جعل الله تعالى الجهاز التنفسي للكلب، جهازاً شديد المرونة، ينتفخ بأقل جهد ممكن أثناء عملية الشهيق، ويعود إلى حجمه الطبيعي، دون أي تدخل عضلي، أثناء عملية الزفير، وذلك في مصاحبة عملية اللهثان.
فعندما يبدأ الكلب في هذه العملية، تنتقل سرعة تنفسه، فجأة، من (٣٠- ٤٠) نفساً بالدقيقة، إلى عشرة أضعاف ذلك، أي إلى (٣٠٠ – ٤٠٠) نفس بالدقيقة.
فإذا عطش الكلب، أو ارتفعت درجة حرارة جسمه، أو حدث الأمران معاً، فإنه يبدأ في اللهث بمعدلات سريعة، ثم يعود لتنفسه العادي، ثم يلهث سريعاً، ثم يعود إلى التنفس البطيء، حتى يحقّق تبريد جسمه، وضبط درجة حرارته، ويعين على ذلك قدر الهواء الداخل إلى مقدمات الجهاز التنفسي، وما يحمل معه من بخار الماء، الذي يتصاعد من الأنسجة التي يمر عليها، وهو خارج إلى الجو مع عملية الزفير، خاصة أن الممرات الأنفية، والفمّية، للكلب، مصممّة بنظام يسمح بمرور كمية كبيرة من الهواء، مع كل نفس. كما يعين عليه المرونة الزائدة للجهاز التنفسي، الذي يمتدّ مع الشهيق، باستهلاك جزء يسير جداً من طاقة العضلات، ويرتدّ بذاته مع عملية الزفير، دون أدنى تدخل عضلي..
وقد قدّر أنه لو لم يكن للجهاز التنفسي للكلب، هذا القدر من المرونة العالية، لكانت الحرارة الناتجة من عملية اللهاث، أكبر بكثير من الحرارة المفقودة بتبخير جزء من ماء الأنسجة، المبطّنة لمقدمات جهازه التنفسي، بواسطة تيار الهواء المارّ بها، أثناء عملية الزفير، وذلك لأن الطاقة اللازمة لتحريك عضلات الجهاز التنفسي، عند غير الكلب من الثدييات آكلة اللحم، هي طاقة كبيرة، والحرارة الناتجة عنها، هي حرارة ذات قيم مرتفعة.
والكلب يلهث – عادة- عند ارتفاع درجة حرارة جسده، بسبب ارتفاع درجة حرارة البيئة التي يحيا فيها، أو بسبب العطش، أو بسببهما معا، أو عند الإجهاد الشديد، أو الإعياء والمرض العضوي أو النفسي، أو عند الاستثارة والمفاجأة، أو عند الفرح والرضا، بصفة عامة(38).
لماذا هذا التشبيه؟
- لأنك إذا حملت على الكلب، نبح، وولّى هارباً، وإن تركته، شدّ عليك، ونبح. فيتعب نفسه مقبلاً عليك، ومدبراً عنك. فيعتريه - عند ذلك- ما يعتريه عند العطش، من إخراج اللسان(39).
- ضرب اللَّه عزَّ وجلَّ: بالتارِك لآياته، والعَادِلِ عنها، أحسن مثل، في أخَسِّ أحْوالِه، فقال عز وجل: [فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ]، إذا كان الكلب لهثان. وذلك أن الكلب إذا كان يلهث، فهو لا يقدر لنفسه على ضَرّ، وَلَا نَفْع، لأن التمثيل به على أنه يلهث على كل حال: حملت عليه، أو تركته. فالمعنى: فمثله كمثل الكلب لاهثاً(40).
- إن هذا الرجل عوقب في الدنيا بأنه يلهث كما يلهث الكلب، فشبّه به صورة، وهيئة. وقال الجمهور: إنما شبّه به في أنه كان ضالاً، قبل أن يؤتى الآيات، ثم أوتيها، فكان أيضاً ضالاً، لم تنفعه. فهو كالكلب، في أنه لا يفارق اللهث، في حال حمل المشقة عليه، وتركه دون حمل عليه(41).
- وقيل: معناه إن وعظته فهو ضال، وإن لم تعظه فهو ضال. كالكلب، إن طردته، فسعى، لهث، وإن تركته على حاله، لهث. كأنه قيل: كمثل الكلب ذليلاً، دائم الذلة، لاهثاً في الحالتين(42).
- قال ابن قتيبة: كل لاهث إنما يلهث من إعياء، أو عطش، إلا الكلب، فانه يلهث في حال راحته، وحال كلاله. فضربه الله مثلاً لمن كذَّب بآياته، فقال: إن وعظته فهو ضال، وإن لم تعظه، فهو ضال، كالكلب إن طردته وزجرته، فسعى، لهث، أو تركته على حاله، رابضاً، لهث(43).  
العالِم واللهثان
من آتاه الله العلم والدين، فمال إلى الدنيا، وأخلد إلى الأرض، كان مشبّهاً بأخسّ الحيوانات، وهو الكلب اللاهث. وفي تقرير هذا التمثيل وجوه:
الأول: أن كل شيء يلهث، فإنما يلهث من إعياء، أو عطش، إلا الكلب، فإنه يلهث في حال الإعياء، وفي حال الراحة، وفي حال العطش، وفي حال الري. فكان ذلك عادة منه، وطبيعة، وهو مواظب عليه، كعادته الأصلية، وطبيعته الخسيسة، لا لأجل حاجة وضرورة. فكذلك من آتاه الله العلم والدين، أغناه عن التعرض لأوساخ أموال الناس، ثم إنه يميل إلى طلب الدنيا، ويلقي نفسه فيها، كانت حاله كحال ذلك اللاهث، حيث واظب على العمل الخسيس، والفعل القبيح، لمجرد نفسه الخبيثة، وطبيعته الخسيسة، لا لأجل الحاجة والضرورة.
والثاني: أن الرجل العالم، إذا توسّل بعلمه إلى طلب الدنيا، فذاك إنما يكون لأجل أنه يورد عليهم أنواع علومه، ويظهر عندهم فضائل نفسه، ومناقبها. ولا شك أنه عند ذكر تلك الكلمات، وتقرير تلك العبارات، يدلع لسانه، ويخرجه، لأجل ما تمكن في قلبه من حرارة الحرص، وشدة العطش إلى الفوز بالدنيا. فكانت حالته شبيهة بحالة ذلك الكلب، الذي أخرج لسانه أبداً، من غير حاجة ولا ضرورة، بل بمجرد الطبيعة الخسيسة.
والثالث: أن الكلب اللاهث لا يزال لهثه البتة، فكذلك الإنسان الحريص لا يزال حرصه البتة.
أما قوله تعالى: إن تحمل عليه يلهث، فالمعنى أن هذا الكلب إن شدّ عليه، وهيج، لهث. وإن ترك أيضاً، لهث. لأجل أن ذلك الفعل القبيح طبيعة أصلية له. فكذلك هذا الحريص الضال، إن وعظته فهو ضال، وإن لم تعظه فهو ضال، لأجل أن ذلك الضلال والخسارة عادة أصلية، وطبيعة ذاتية، له(44).
إذا كان لهثان الكلب طبيعة ذاتية له، فما بالك بلهثان عالم، "ذلك اللهاث وراء أعراض هذه الحياة الدنيا، التي من أجلها ينسلخ الذين يؤتيهم الله آياته، فينسلخون منها. ذلك اللهاث القلق، الذي لا يطمئن أبداً. والذي لا يتركه صاحبه، سواء وعظته، أم لم تعظه، فهو منطلق فيه أبداً! والحياة البشرية ما تني تطلع علينا بهذا المثل، في كل مكان، وفي كل زمان، وفي كل بيئة.. حتى إنه لتمرّ فترات كثيرة، وما تكاد العين تقع على عالم، إلا وهذا مثله، فيما عدا الندرة النادرة، ممن عصم الله، ممن لا ينسلخون من آيات الله، ولا يخلدون إلى الأرض، ولا يتبعون الهوى، ولا يستذلهم الشيطان، ولا يلهثون وراء الحطام الذي يملكه أصحاب السلطان!.. فهو مثل لا ينقطع وروده، ووجوده، وما هو بمحصور في قصة وقعت، في جيل من الزمان! وقد أمر الله رسوله- صلى الله عليه وسلم- أن يتلوه على قومه، الذين كانت تتنزل عليهم آيات الله، كي لا ينسلخوا منها، وقد أوتوها. ثم ليبقى من بعده، ومن بعدهم، يتلى، ليحذر الذين يعلمون من علم الله شيئاً، أن ينتهوا إلى هذه النهاية البائسة، وأن يصيروا إلى هذا اللهاث، الذي لا ينقطع أبداً، وأن يظلموا أنفسهم ذلك الظلم، الذي لا يظلمه عدو لعدو. فإنهم لا يظلمون إلا أنفسهم، بهذه النهاية النكدة! ولقد رأينا من هؤلاء- والعياذ بالله-، في زماننا هذا، من كان كأنما يحرص على ظلم نفسه، أو كمن يعضّ بالنواجذ على مكان له في قعر جهنم، يخشى أن ينازعه إياه أحد من المتسابقين معه في الحلبة! فهو ما يني يقدّم كل صباح ما يثبت به مكانه هذا في جهنم! وما يني يلهث وراء هذا المطمع، لهاثاً لا ينقطع، حتى يفارق هذه الحياة الدنيا!"(45).
منهج متميز في صياغة النفوس
المنهج القرآني لا يقدم العقيدة في صورة نظرية، للدراسة.. "فهذا مجرد علم لا ينشئ في عالم الضمير، ولا في عالم الحياة شيئاً.. إنه علم بارد، لا يعصم من الهوى، ولا يرفع من ثقلة الشهوات، شيئاً. ولا يدفع الشيطان، بل ربما ذلّل له الطريق، وعبّدها! كذلك لا يقدم هذا الدين، دراسات في (النظام الإسلامي)، ولا في (الفقه)، أو (الاقتصاد)، ولا في (العلوم الكونية)، أو(النفسية)، ولا في أية صورة من صور الدراسة المعرفية! إنما يقدم هذا الدين عقيدة دافعة، دافقة، محيية، موقظة، رافعة، مستعلية، تدفع إلى الحركة، لتحقيق مدلولها العملي، فور استقرارها في القلب والعقل، وتحيي موات القلب، فينبض، ويتحرك، ويتطلع، وتوقظ أَجهزة الاستقبال والاستجابة في الفطرة، فترجع إلى عهد الله الأول، وترفع الاهتمامات والغايات، فلا تثقلها جاذبية الطين، ولا تخلد إلى الأرض أبداً.
ويقدمه منهجاً للنظر والتدبر، يتميّز، ويتفرّد، دون مناهج البشر في النظر، لأنه إنما جاء لينقذ البشر من قصور مناهجهم، وأخطائها، وانحرافها، تحت لعب الأهواء، وثقلة الأبدان، وإغواء الشيطان! ويقدمه ميزاناً للحقّ، تنضبط به عقول الناس، ومداركهم، وتقاس به، وتوزن، اتجاهاتهم، وحركاتهم، وتصوراتهم، فما قبله منها هذا الميزان، كان صحيحاً، لتمضي فيه، وما رفضه هذا الميزان، كان خاطئاً، يجب الإقلاع عنه.
ويقدمه منهجاً للحركة، يقود البشرية، خطوة خطوة، في الطريق الصاعد إلى القمة السامقة، وفق خطاه هو، ووفق تقديراته.. وفي أثناء الحركة الواقعية، يصوغ للناس نظام حياتهم، وأصول شريعتهم، وقواعد اقتصادهم واجتماعهم وسياستهم. ثم يصوغ الناس، بعقولهم المنضبطة به، تشريعاتهم القانونية، الفقهية، وعلومهم الكونية، والنفسية، وسائر ما تتطلبه حياتهم العملية الواقعية.. يصوغونها، وفي نفوسهم حرارة العقيدة، ودفعتها، وجدية الشريعة، وواقعيتها، واحتياجات الحياة الواقعية، وتوجيهاتها.
هذا هو المنهج القرآني في صياغة النفوس المسلمة، والحياة الإسلامية.. أما الدراسة النظرية، لمجرد الدراسة، فهذا هو العلم الذي لا يعصم من ثقلة الأرض، ودفعة الهوى، وإغواء الشيطان، ولا يقدم للحياة البشرية خيراً"(46).
[فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون]
قوله تعالى: [ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ].
وقول الحق: [فَاقْصُصِ الْقَصَصَ]، يوضح لنا أن الله لا يريد أن يعلّمنا تاريخاً، لكنه يعلمنا كيف نأخذ العبرة من التاريخ. بدليل أنه يكرر القصة أكثر من مرة، وكل مرة يأتي– سبحانه- بلقطة جديدة، لتعدد ما في القصة الواحدة من العبر. ولو أنه أراد أن يقص علينا التاريخ، لقال لنا روايته مرة واحدة. ونجد في القرآن الكثير من قصص الحق مع الباطل، ومن قصص المبطلين مع المحقين، ومن قصص المعاندين مع الرسل، لأن القصة أمر واقعي، والتقنين للمناهج أمر لفظي. فيريد سبحانه وتعالى أن يوضح لنا المنهج المناسب للواقع، لأن واقع الحياة يعطي القصة القولية حرارة وسخونة، فلا يظل المنهج مجرد كلام نظري، معزول عن الواقع.
وهكذا بَيّن الحقّ (سبحانه وتعالى)، في هذه الآية، أنه سبحانه قد أنزل علم منهجه، بواسطة الرسل، إلى بعض خلقه. فمنهم من يأخذ منهج الله بالاستيعاب، أولاً، وتوظيف ما علم، ثانياً. وبذلك يرتفع من منطق الأرض، إلى منطق السماء. ومن يعطيه الله ذلك المنهج، ما كان يصحّ له أن يترك ارتفاعه إلى السماء، ليهبط إلى مستوى الأرض. وهذا ما يفعله البشر حين يقنّنون لأنفسهم، ويضعون نظم الحياة على وفق هواهم، وعلى وفق نظمهم، ويتركون منهج الله، الذي خلقهم وصنعهم، ووضع لهم قانون صيانتهم(47).
وهؤلاء الناس حرموا من الانتفاع بمواهبهم الفطرية، بعدم استعمالهم إياها فيما يرفعهم درجات، في العلم والعمل، "وكأين من إنسان استعمل حواسه في الضرّ، وعقله وذكاءه في الشرّ، وما ظلمهم الله، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون"(48).
فلقد كانت آيات الهدى، وموحيات الإيمان، متلبسة بفطرتهم وكيانهم، وبالوجود كله من حولهم.
ثم إذا هم ينسلخون منها انسلاخاً. ثم إذا هم أمساخ، شائهو الكيان، هابطون عن مكان (الإنسان)، إلى مكان الحيوان.. مكان الكلب الذي يتمرغ في الطين.. وكان لهم من الإيمان جناح، يرّفون به إلى علّيين، وكانوا من فطرتهم الأولى في أحسن تقويم، فإذا هم ينحطون منها إلى أسفل سافلين!
وهل أسوأ من هذا المثل مثلاً؟ وهل أسوأ من الانسلاخ والتعري من الهدى؟ وهل أسوأ من اللصوق بالأرض، واتباع الهوى؟ وهل يظلم إنسان نفسه، كما يظلمها من يصنع بها هكذا؟ من يعريها من الغطاء الواقي، والدرع الحامي، ويدعها غرضاً للشيطان، يلزمها ويركبها، ويهبط بها إلى عالم الحيوان اللاصق بالأرض، الحائر القلق، اللاهث لهاث الكلب، أبداً!!! وهل يبلغ قول قائل، في وصف هذه الحالة، وتصويرها، على هذا النحو العجيب الفريد، إلا هذا القرآن العجيب الفريد!!
فهو يمثل حال الذين يكذّبون بآيات الله، بعد أن تبين لهم، فيعرفوها، ثم لا يستقيمون عليها.. وما أكثر ما يتكرر هذا النبأ في حياة البشر، ما أكثر الذين يعطون علم دين الله، ثم لا يهتدون به، إنما يتخذون هذا العلم وسيلة لتحريف الكلم عن مواضعه. واتباع الهوى به.. هواهم، وهوى المتسلطين، الذين يملكون لهم- في وهمهم- عرض الحياة الدنيا.
وكم من عالم دين رأيناه يعلم حقيقة دين الله، ثم يزيغ عنها، ويعلن غيرها. ويستخدم علمه في التحريفات المقصودة، والفتاوى المطلوبة، لسلطان الأرض الزائل! يحاول أن يثبت بها هذا السلطان، المعتدي على سلطان الله، وحرماته، في الأرض، جميعاً! لقد رأينا من هؤلاء من يعلم، ويقول: إن التشريع حقّ من حقوق الله- سبحانه-، من ادعاه، فقد ادعى الألوهية. ومن ادعى الألوهية، فقد كفر. ومن أقر له بهذا الحق، وتابعه عليه، فقد كفر أيضاً!.. ومع ذلك.. مع علمه بهذه الحقيقة، التي يعلمها من الدين بالضرورة، فإنه يدعو للطواغيت، الذين يدّعون حقّ التشريع، ويدّعون الألوهية بادعاء هذا الحق.. ممن حكم عليهم هو بالكفر! ويسميهم (المسلمين)! ويسمّي ما يزاولونه إسلاماً، لا إسلام بعده!.. ولقد رأينا من هؤلاء من يكتب في تحريم الربا عاماً، ثم يكتب في حلّه عاماً آخر.. ورأينا منهم من يبارك الفجور، وإشاعة الفاحشة بين الناس، ويخلع على هذا الرجل، رداء الدين، وشاراته، وعناوينه..
فماذا يكون هذا، إلا أن يكون مصداقاً لنبأ الذي آتاه الله آياته، فانسلخ منها، فأتبعه الشيطان، فكان من الغاوين؟
وماذا يكون هذا، إلا أن يكون المسخ الذي يحكيه الله سبحانه عن صاحب النبأ: [وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها، وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ. فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ].. ولو شاء الله لرفعه، بما آتاه من العلم بآياته. ولكنه- سبحانه- لم يشأ، لأن ذلك الذي علم الآيات، أخلد إلى الأرض، واتبع هواه، ولم يتبع الآيات..
إنه مثل لكل من آتاه الله من علمه، فلم ينتفع بهذا العلم، ولم يستقم على طريق الإيمان. وانسلخ من نعمة الله. ليصبح تابعاً ذليلاً للشيطان. ولينتهي إلى المسخ في مرتبة الحيوان! ثم ما هذا اللهاث، الذي لا ينقطع؟(49).
فقه الحياة
الهدف من هذه القصة، ضرب مثل لجميع الكفار، المعرضين عن الإيمان بالله والرسول، بعد ما عرفوا الحق. فمن آتاه الله العلم والدين، فمال إلى الدنيا، [وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ]، كان مشبّهاً بأخسّ الحيوانات، وهو الكلب اللاهث. حيث واظب على العمل الخسيس، والفعل القبيح، لا لحاجة، أو ضرورة.
وشبّه حال كل كافر، بحال رجل عرف آيات الله، ثم تركها وراء ظهره. وهذا ينطبق على (بلعم بن باعوراء)، أو غيره، ممن اتصف بهذه الصفة. فلم تعين الآية اسم من ضرب به المثل. وحينئذ لا يهم، سواء أكان ذلك مطابقاً لبعض الروايات، بأنه رجل من بني إسرائيل، أو الكنعانيين، أو أهل اليمن، أم من غيرهم.
وتكون الآية تحذيراً للناس عن اتباع أهوائهم، وركونهم إلى الدنيا وشهواتها، واتباع الأغراض الدنيئة، وترك ما أرشدتهم إليه آيات الل،ه من الإيمان بالله، وبرسوله، وبالآخرة.
والآية واضحة الدلالة على أن المعرض عن آيات الله، واقع في الضلالة والغواية، بسبب سوء فعله، واختياره العمل بما هو قبيح، شرعاً ومروءة.
وعلى الإنسان الاعتبار بهذه القصة، والتأمل والتفكر في آيات الله، بعين البصيرة والعقل، لا بالهوى والحقد والعداوة. وفي إيراد هذا المثل، والتشبيه بالصورة الواقعية، إشارة إلى أن للأمثال تأثيراً قوياً في إقناع السامعين، وأنها أقوى أثراً من إيراد الحجج والبراهين.
وفيها إشارة أيضا إلى أهمية التفكر، وأنه مبدأ الوصول إلى الحقيقة، والعلم، والمعرفة الصحيحة. كما قال تعالى، في مناسبات كثيرة، في كتابه(50).
مسيريك - في: رمضان 1435هـ/ تموز 2014م

الهوامش:
(1) الراغب الاصفهاني، المفردات: (ص419).
(2) المرتضى الزبيدي، تاج العروس: (7/271).
(3) ابن منظور، لسان العرب: (3/25).
(4) ابن عطية، المحرر الوجيز: (2/477).
(5) القرطبـي، أحكام القرآن: (7/321).
(6) لسان العرب: (2/184)، تاج العروس: (5/351).
(7) خواطر الشعراوي: (7/4457).
(8) مفاتيح الغيب: (15/405).
(9) نفسه.
(10) محمد رشيد رضا، تفسير المنار: (9/341).
(11) في ظلال القرآن: (3/1396).
(12) خواطر الشعراوي: (7/4454-4455).
(13) ابن قتيبة، غريب القرآن: (1/150).
(14) مفاتيح الغيب: (15/404).
(15) نفسه.
(16) محمد رشيد رضا، تفسير المنار: (9/341-342).
(17) خواطر الشعراوي، (7/4456).
(18) تفسير المنار: (9/341-342).
(19) ابن عطية: (2/477).
(20) خواطر الشعراوي، (7/4457).
(21) ابن قتيبة، غريب القرآن: (1/150).
(22) الزجّاج، معاني القرآن: (2/391).
(23) زاد المسير: (2/171).
(24) المحرر الوجيز: (2/478).
(25)- ابن الجوزي، ذم الهوى: (ص12)، روضة المحبين: (ص331).
(26) آفات على الطريق، الآفة التاسعة: آفة الهوى.
(27)- الأخلاق الإسلامية: (1/236).
(28) مصطفى السعيد، الإعجاز التأثيري: (ص239).
(29) الرازي، مفاتيح الغيب: (15/405).
(30) روضة المحبين: (ص331).
(31) الكشاف: (4/89).
(32) لباب التأويل: (4/39).
(33) في ظلال القرآن: (6/3819).
(34) نفسه: (5/2700).
(35) جامع العلوم والحكم، إحياء التراث العربي: (ص471).
(36) أدب الاختلاف في الإسلام: ( ص27 ). 
(37)- الموسوعة العربية العالمية، مادة: كلب؛ مقالة للدكتور زغلول النجار، جريدة الأهرام: العدد ٤٢٨٢٦، مارس ٢٠٠٤م.
(38)- المصدر السابق.
(39) لسان العرب: (2/184)، تاج العروس: (5/351).
(40) الزجّاج، معاني القرآن: (2/391).
(41) ابن عطية، المحرر الوجيز: (2/478).
(42) الزمخشري، الكشاف: (2/178).
(43) ابن الجوزي، زاد المسير: (2/171).
(44) الرازي، مفاتيح الغيب: (15/405-406).
(45) في ظلال القرآن: (3/1397-1398).
(46) في ظلال القرآن: (3/1399).
(47) خواطر الشعراوي: (7/4461).
(48) تفسير المنار: (9/341-342).
(49) في ظلال القرآن: (3/1396-1398).

(50) الزحيلي، التفسير المنير: (9/164-165).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق