الاثنين، 2 نوفمبر، 2015

الفلكلور.. وأهمية توظيفه واستلهامه

جميلة محمد المحمد
تعريف الفلكلور:
يُعرف التراث الشعبـي، أو الفلكلور، عموماً بأنه: مجموعة الآثار الفكرية، والماديَّة، التي تتضمَّن كلَّ ما خلّفه الآباء والأجداد من موروثات، متعلِّقة بالمنتوج الفكريّ والثقافيّ والعلميّ والفنيّ. ويشتمل على جميع المعارف، والمأثورات، والطقوس، والمعتقدات الشعبـية، والعادات، والفنون، ومن ضمنها: الفنون الشعبـية، والحِرف، وأنواع الرقص، واللعب، وغيرها.
إلا أن الجانب الفكريّ، بما يشمله من الأساطير، والحكايات الشعبـية، والأشعار، والقصائد، والأغاني، والأمثال، والألغاز، والأحاجي، وكذلك الاحتفالات، وعادات الزواج، والمناسبات، المختلفة، يشكِّل خصوصية متفرّدة بالنسبة للفلكلور، أو التراث الشعبـي. والواضح، من خلال التعريف، أن مفهوم التراث، أو ما انتقل وحُفظ من شخص إلى آخر، إمّا عن طريق الذاكرة، أو بالممارسة، أكثر مما حُفظ عن طريق السجلّ المدوّن، يشتمل -أيضاً- على: قصص الخوارق، المأثورات، العقائد، والأقوال السائدة بين الناس في كلّ مكان. بالإضافة إلى دراسة العادات والممارسات الزراعية المأثورة، الممارسات المنزلية، وأنماط الأبنية، والظواهر التقليدية للنظام الاجتماعي، وغيرها.
ووفقاً لهذه الرؤية، فإن الفولكلور يستوعب كلّ جوانب الإبداع الشعبـي، المتمثِّلة في الأدب، بمختلف فنونه، وفي المعتقدات والممارسات والحِرَف. وقد عرَّف (محمد آراكون) التراث بأنه: "انعكاس للعمل البشري، وصورة للنشاط الإنساني، في ميادين الفكر والعلم والآداب والفنون، وللحياة في تعدُّد مرافقها، وتنوِّع مجالاتها".
كما أن (وليام توماس) قد ميَّز بين شكليّ التعبير الفلكلوري، وهما: الشكل الماديّ، كالآلات الموسيقية، والأزياء الشعبـية، ورسوم الأقمشة، والسجاد، والتماثيل.. إلخ. والشكل غير الماديّ: كالحكايات، والقصص الخرافية، والروايات الخارقة، والأساطير، وطقوس الخطوبة، أو الزواج، والموت، وغيرها. والفولكلور -عموماً- كائنٌ حيّ، يدلُّ على عراقة الشعوب، ويعبِّر عن حصيلة نتاج مبدعيها، أو جهود أفرادها عبر التاريخ.. إنه يمثّل الماضي الممتدّ إلى الحاضر، والمتداخل فيه، الماضي الذي يعيش من خلال الموروث النفسيّ والماديّ والثقافيّ، الذي تركه الأسلاف.
مجالات الفلكلور:
يرى الدكتور (محمد الجوهري) - حسب التصنيف الذي استحدثه- أن تقسَّم موضوعات التراث الشعبـي، أو الفلكلور، إلى أربعة أقسام، هي كالتالي: الأدب الشعبـي، العادات والتقاليد، المعتقدات والمعارف الشعبـية، الثقافة المادية، والفنون الشعبـية.
 الأدب الشعبـي، وأبرز فنونه:
أولاً- الشعر: يعتبر من أكثر عناصر الأدب الشعبـي انتشاراً وتداولاً بين أفراد المجتمع، وقد ساهم -هذا الفنّ الأدبي- في إثراء التراث الشعبـي إسهاماً كبيراً.
ثانياً- الأهازيج الشعبـية: شغلت حيّزاً مهماً في الأدب الشعبـي، وعُدّت بمثابة سجلّ حافل بالأغاني، التي كانت تردَّد في شتى المناسبات. وتقوم الأهزوجة بوظائف نفسية، لعلّ أهمها الترويح عن النفس.
ثالثاً- الأمثال الشعبـية: يرتبط المثل الشعبـي بالكلام العادي، أو اللغة المحليَّة الدارجة. وهذا ما جعله أكثر أنواع الأدب الشعبـي انتشاراً بين الناس. وهي عبارة عن كلمات، وحكم، تداولتها الشعوب بكلمات قليلة العدد، لكنها ذات عمق في المعنى. ويجتمع في المثل (أربعة) لا تجتمع في غيره من الكلام، وهي: إيجاز اللفظ، إصابة المعنى، حسن التشبيه، وجودة الكناية.
رابعاً- القصص المنثور: ويشتمل هذا القصص المنثور على ثلاثة أنواع هامة، هي: (الأساطير الشعبـية، الحكايات الشعبـية، السير الشعبـية) والحكايات الشعبـية هي من أكثر فنون الأدب الشعبـي العربي انتشاراً، وأهم أنواعها، وهي سبعة أقسام كما صنّفتها (نبيلة إبراهيم): الحكاية الخرافية، حكاية المعتقدات، حكايات التجارب اليومية، الحكايات التاريخية، قصص الحيوان، الحكايات الهزلية، القصص الديني.
خامساً- الألغاز الشعبـية.
تتعدّد الأهداف الفكرية والنفسية والاجتماعية.. إلخ، والمتوخاة من التعريف بالتراث، وإحيائه، واستلهامه. ويمكن إيراد بعضها، كالتالي:
1) إبراز خصوصية شعبٍ من الشعوب، وصفاته المتفرّدة بين الأمم، والتعرّف على السمات والمزايا التي يتمتّع بها.
2) الإسهام في بناء الشخصية الإنسانية، بناءً متوازناً: عقلياً، ونفسياً، ووجدانياً، وسلوكياً، وتهذيب وجدانها، ورفع مستويات وعيها ومداركها.
3) غرس القيم التربوية والخلقية الجيدة في نفوس الأبناء، من خلال النماذج الإيجابية، والمحطات المضيئة، في التاريخ.
4) توثيق العادات والتقاليد، وتعريف الأجيال الجديدة بالجوانب الإيجابية منها، ودعوتها إلى الاعتزاز والتباهي بها.
5) تنمية العلاقات الإنسانية، والاتجاهات السليمة، بين البشر، بحكم التركيز على الأبعاد الإنسانية، والقيم المشتركة، في تلك العلاقات.
6) الإمتاع والتسلية، وتنمية روح البحث والاستقصاء.
ولهذه الأسباب، وغيرها، فقد حَظي التراث الشعبـي بالاهتمام الواسع، من قبل شعوب العالم قاطبةً، وسعيها لحفظه وتسجيله، وإجراء الدراسات والأبحاث في مجالاته.
تحديات توظيف التراث الشعبـي
يواجه التراث الشعبـي - عموماً - مشكلات كثيرة، وتحدِّيات خطيرة، تكمن أهمها في إهمال الكثير من صنوفه وفروعه، وإمكانية تعرضها للضياع والاندثار، وفي أحايين أخرى للتشويه والسرقة. ناهيك عن المشكلات الكثيرة التي يواجهها التراث اللامادي، والمتمثِّلة في أخطار الزوال والتدمير، بسبب قلة الموارد اللازمة لصونه وحمايته. ومما يزيد الأمر تعقيداً، أن هذا الإهمال، أو التشويه، أو الزوال، يأتي في خضم ما يعيشه العالم من تطورات وتبدلات، قد تشكِّل عاملاً في تعرُّض قيمه للتحريف، والتزوير، بسبب الغزو الثقافي، وما استحدثه من القيم؛ التي تحاول أن تحلَّ بديلاً عن الثقافة الأصيلة، أو أن تتغاضى عنها، بشكل أو بآخر. وفي الوقت نفسه، إذا أُحسن استغلال هذا التطوّر، وأتقن العمل في مجاله، فإن النتائج ستكون إيجابية حتماً. 
إن التراث، بغناه وتنوِّعه، يشكِّل لبنة هامةً في حضارة الإنسان، ورافداً أساسياً من روافد ثقافة الشعوب والأمم. لذا وجُب التنقيب في مكوناته، وجمعه وتصنيفه، وحفظه وتدوينه، ثم غربلته وانتقاء المناسب والملائم منه.
ويظهر الاهتمام بالتراث الشعبـي من خلال:
أولاً- توظيف التراث الشعبـي، بما فيه من الملاحم والحكايات والأخبار والسِير والأقاصيص الشعبـية، لصالح الأدب عموماً، وأدب الأطفال بشكل خاص، وإعادة إحياء القصص والحكايات والقصائد والأغاني والنصوص المناسبة.
ثانياً- توظيف هذه الأشكال توظيفاً جيداً، وإظهار المواقف المشرقة فيها، وتشجيع نشر النصوص التراثية، وزيادة الإقبال عليها.
ثالثاً- الاهتمام بالفروع الأخرى من التراث، كالأمثال، والأحاجي، والأقاصيص، والنوادر، والأخبار.

يمثِّل الفلكلور المرآة التي تصوِّر حياة الشعوب، وتعكس تاريخها الإنساني، وتعبِّر  -بالوقت نفسه- عن حصيلة خبرات الأفراد لهذا الشعب أو ذاك، سواءً أكان فكراً، أو شعوراً، أو أنماط عيش مشترك، وينقل كلِّ جميل ومميَّز من القيم والعادات والفنون إلى الأجيال التالية، ويحافظ على اللغة، والهوية الوطنية، من الضياع والاندثار. والمعروف أن الاستعمار حين كان يخطِّط لاحتلال بلد ما، أو القضاء على روح شعبه ولغته، فإنه كان يسعى -أولاً- لمحاربة فلكلوره، وتصفية إرثه الشعبـي، الذي يمثِّل فكره ومعتقداته. إلا أن محاولاته كانت تبوء بالفشل مع كل مرَّة، لأن التراث -دائماً- كان الثروة الوحيدة التي لم تمكِّن أعدائه النيل منه. إذ إن جذوره الممتدَّة في الماضي البعيد؛ وثيقة الصلة بحاضر الشعوب ومستقبلها، وكلما تفرَّعت الجذور؛ كانت الشجرة أقوى، وأكثر قدرة على الثبات، في مواجهة التغيرات والتبدلات.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق