الاثنين، 2 نوفمبر، 2015

تدبير الاختلاف بين عناصر الأمة المسلمة

د. مصطفى عطية جمعة
أديب وأكاديمي مصري مقيم في الكويت
(الاختلاف) لغة وشرعاً ومقاصد:
المقصود بـ(الاختلاف)، لغةً، هو: ضد الاتفاق. يقال: اختلف الشيئان، أي: لم يتفقا، ولم يتساويا([1]). ولا تفترق - لغة - مع دلالة لفظي الخلاف والمخالفة، فكلها بمعنى واحد([2]). فالدلالة الأولية للكلمة، تعني: اختلاف الأشياء أو الأمور أو القضايا، بألا يوجد أوجه تلاق بينها، وأيضاً: عدم التساوي في الكم والكيف والماهية.
وفي الاصطلاح الفقهي، الاختلاف يعني: أن يكون الطريق مختلفاً، والمقصود واحداً. والاختلاف في الأصول ضلال، وفي الآراء والحروب حرام([3]). وقيل إن الاختلاف يكون بين قضيتين أو مسألتين فيهما دليل، وبالطبع في الأمور الفرعية من قضايا الحلال والحرام. ولو حكم القاضي حكماً برأي مستند إلى الخلاف، وليس الاختلاف، فيجوز فسخ حكمه. أما الخلاف، فهو فيما لا دليل عليه، وهو من آثار البدعة، ويكون في شيئين كلاهما مختلف في الماهية والشكل، ولا تلاق بينهما([4]).
إذاً، لا يجوز الاختلاف في الثوابت، كالعقائد، والمعلوم من الدين بالضرورة، وإنما في الفروع، مثل القضايا الفقهية. ولا بد أن يكون مرتكزاً على أدلة واضحة، حسب شروط الدليل الشرعي.
أما الخلاف، فهو مبني على الرأي، دون استناد إلى دليل، أو نص شرعي، أو مصدر من مصادر التشريع. وفي الحياة يكون مستندا إلى أحكام العقل المتقلبة، وتأثيرات الهوى والرغبات والميول. وعندما يشتد، يكون أقرب إلى المهاترة، ويؤدي إلى فساد النفوس، وتباغض القلوب.
وفي رأي آخر، هناك من يرى أن كلاً من لفظي (الخلاف، والاختلاف) لا يختلفان شرعاً، مثلما هما غير مختلفين لغة. ويحدد الأمر أكثر، بأن كلا اللفظين: مقصور على الاختلاف في المسائل الشرعية، فالعلاقة بين المعنيين هي علاقة عموم وخصوص مطلق، ذلك أن علماء الشريعة يطلقون الخلاف على المسائل الشرعية التي لم يجمع عليها، فالخلاف ضد الإجماع([5]).
وعلى العموم، فالمقصد السامي، هو ترفّع العلماء والدعاة والعقلاء عن التعارك اللفظي، المستند إلى تعصب النفوس، وهواها، وبنقص في العلم أحيانا. أو قد يدرك بعضهم العلم، ولكن حب الدنيا، والرغبة في التسلط والشهرة والتصدر، وإرضاء الحاكم، تكون أسباباً في مخالفة الحق، والنأي عن العلم. فالقضية قضية نفس وسلوك في الأساس، وما قد يترتب عليها من بلبة للعقول، وتأليب للعامة، والانتصار لغير الحقيقة.
وهذا ما نهى القرآن عنه، كما في قوله تعالى: [وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِمَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ]([6])، ففيه نهيٌ للمسلمين أن يكونوا كالأمم الماضية، في تفرقهم واختلافهم، وتركهم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، مع قيام الحجة عليهم([7])، وانشغالهم بكثرة المجادلة والاختلاف، مما أدى لتشتت قلوبهم، وإفساد عقولهم بالأهواء، بعدما نعمت الجماعة المؤمنة بالهداية والإرشاد (البينات)، ولكنهم لعوامل عديدة، تفرقت صفوفهم. 
وقد سبقت هذه الآية آية أخرى، تمثل إنذاراً لأولي العلم، محددة واجبات من يتطوع لنشر العلم، وإفادة الناس، فلا يغرقهم في خلافات تمزق قلوبهم، وتحيد بهم عن الحق. وهي قوله تعالى: [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ]([8])، أي تكون الفئة المنتصبة للقيام بأمر الله، ساعية في الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر([9]). وهي واجبات لو نظرنا إليها، لوجدنا أنها خلاصة رسالة الإسلام: فالخير في الإسلام يشمل وجوه النفع كلها، للناس جميعاً. والأمر بالمعروف: دعوة لكل إنسان، أن يأتي لخير الدين، وهداه، ويسير في طريقه، خلقاً وسلوكاً، وعبادات وطاعات. أما النهي عن المنكر: فترك كل الشرور والآثام.
وبالتالي، فإن الخلاف في الإسلام يتوجه بالأساس إلى التنافس فيما يفيد الجماعة المؤمنة، وما هو خير للبشر أجمعين، دون النظر لشهوات سلطة أو شهرة أو مال أو جاه أو سلطان أو تعصب فئوي أو عنصري أو مذهبـي.
الاختلاف المقبول والمذموم:
وبالطبع هناك اختلاف مقبول، عائد إلى اختلاف العقول والطباع والنفوس. ولكنه لا يحيد عن الحق، ملتزم بتعاليم الدين القويم. وهو الحالة التي لا جدال في أهميتها، لأنها مدار الأمر في الحوار والنقاش. فقد تجردت النفوس من أهوائها، وجعلت نصب أعينها الحقيقة، ووضعت مصلحة الناس وخيرهم، وكليات الدين الخمس في المقدمة، ولم تختلف على الأصول والثوابت، وإنما جاء خلافها في الفروع والثانويات، في ضوء تغيرات الأزمنة والأمكنة والأحوال. فيكون الخلاف فائدة، وتيسيراً، وسعياً إلى تطبيق الشريعة: روحاً، ومبادئ، وتعاليم، وأخلاقاً.
وهذا الأمر منصرف إلى العلماء الثقات، موضع الاحترام والتقدير من الأمة، وليس مَن هم أصحاب الأغراض، وطلاب الشهرة والمنفعة، كما قال ابن تيمية: "إذ كل أمة - قبل مبعث نبينا محمد (h) - فعلماؤها شرارها، إلا المسلمين، فإن علماءهم خيارهم، فإنهم خلفاء الرسول في أمته، والمحيون لما مات من سنته، بهم قام الكتاب، وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب، وبه نطقوا.. وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولا عاماً، يعتمد مخالفة رسول الله في شيء من سنته، دقيق أو جليل، فإنهم متفقون اتفاقاً يقينياً على وجوب اتباع الرسول"([10])، "فقد تتفاوت الأنظار في تقدير المرويات، والحكم بقبولها، أو رفضها، ولا يعني هذا ترك السنة، فإن ما قرر العلماء ثبوته موضع الاحترام "([11]).
وقد كانت عادته الكريمة (صلى الله عليه وسلم)، أن يقرَّ كل صحابي بما يسّره الله له من عباداته، وفتاواه، وأقضيته، فحفظها وعقلها، وعرف لكل شيء وجهاً، من قبل حفوف القرائن به، فحمل بعضها على الإباحة، وبعضها على الاستحباب، وبعضها على النسخ، لأمارات وقرائن كانت كافية عنده، ولم يكن العمدة عندهم إلا وجدان الاطمئنان والثلج، من غير التفات إلى طرق الاستدلال. كما ترى الأعراب يفهمون مقصود الكلام فيما بينهم، وتثلج صدورهم بالتصريح والتلويح والإيماء، من حيث لا يشعرون([12]). فهذا الإقرار من لدن الرسول (hلأنه كان يعلم أن هؤلاء يتلقون الفهم والتربية مباشرة من قبله، قولاً وسلوكاً وتوجيهاً.
وبالطبع، معلوم أن هناك تفاوت بين الصحابة، والعلماء من بعدهم، بكثرة العلم، أو جودته. مثلما أن هناك تفاوت بين الصحابة أنفسهم بحديث رسول الله (h)، بحكم حضور بعضهم لمجالس النبـي مرات، وحضور آخرين مرات أخرى، فيكون عند هؤلاء من العلم، ما ليس عند هؤلاء، وعند هؤلاء، ما ليس عند هؤلاء([13]).
فالاختلاف، حسب مصادر العلم من الحديث، كان موجوداً منذ أيام النبـي، ولم يكن ذكر قول منسوب للنبـي، ثم التراجع عنه، لوجود قول آخر أحدث منه، أو ينسخه، أو يصححه، بالأمر الخطأ، ولكنه كان ضمن دائرة العلم والتثبت والسعي لليقين.
لذا كان التابعون والفقهاء، يأخذون بما روي مباشرة عن الصحابة، ويعملون بما رووا، وفعلوا، سواء كان استنباطا منهم من النصوص، أو اجتهاداً منهم بآرائهم، فهم أحسن صنيعا في كل ذلك ممن يجيء بعدهم، وأكثر إصابة، وأقدم زماناً، وأوعى علماً، فتعين العمل بها([14]).
وقد أحصى العلماء، منذ القدم، أوجه الخلاف في تأويل النصوص، وحددوا أبعادها، وآثارها، خاصة في تفسير النصوص، والتوقف عند إشاراتها اللغوية. ومن أبرز هذه الجهود ما قام به (البطليوسي)، حيث أشار إلى أسباب الخلاف المعروفة، ومنها: ما يعود لجهة الألفاظ، والحقيقة والمجاز، وجهة التركيب، والعموم والخصوص، والرواية، والنسخ والإباحة([15]). وتوسّع المؤلف في كتابه، في ذكر أسباب الخلاف، وبيان أوجه الدلالات المقبولة، والتوفيق بين الآراء.
أما الاختلاف المذموم، فيكون في حالات ثلاث، الأولى: في مسائل العقيدة المتفق عليها عند أهل السنة والجماعة، فالعقيدة ثابتة بنصوص قطعية في الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والسلف الصالح. والحالة الثانية: الاختلاف في الأدلة القطعية، أي المسائل قطعية الثبوت، وقطعية الدلالة، مثل: وجوب الصلاة والصيام والزكاة، وقطع يد السارق، ورجم الزاني، ووجوب الحجاب، وتحريم الخمر، ونحو ذلك. فالاختلاف في هذه المسائل غير سائغ، لأنه لو قبل الخلاف فيها، لما بقي شيء من مسائل الدين.
أما الحالة الثالثة: فهي الاختلاف الناشئ عن تعصب، أو هوى، لا عن حجةٍ وبرهان([16]). فالله تعالى يذم الذين يجادلون في آياته بغير حجة ولا برهان، فقال سبحانه: [إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ]([17])، فتعني: إِنَّ الَّذِين َيُخَاصِمُونَك يَا مُحَمَّد، فِيمَا أَتَيْتهمْ بِهِ مِنْ عِنْد رَبّك مِنْ الْآيَات، بِغَيْرِ حُجَّة جَاءَتْهُمْ مِنْ عِنْد اللَّه، مَا فِي صُدُورهمْ إِلَّا كِبْرٌ، يَتَكَبَّرُونَ مِنْ أَجْله عَنْ اِتِّبَاعك، وَقَبُول الْحَقّ الَّذِي أَتَيْتهمْ بِهِ، حَسَدًا مِنْهُمْ عَلَى الْفَضْل الَّذِي آتَاك اللَّه، وَالْكَرَامَة الَّتِي أ َكْرَمَك بِهَا مِنْ النُّبُوَّة. وقوله: (سلطان)، أي: حجة وبرهان([18]). فالآية تبرز أهمية أن يكون الجدال أساسه برهان، وليس التمسك بهوى النفس، ورغبتها في الانتصار لرأيها.
ولهذا، حذر السلف عن مجالسة من كانت الأهواء سماتهم، وكما قال (أبو قلابة): "لا تجالسوا أهل الأهواء، ولا تجادلوهم، فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم ما تعرفون"([19]). فمجلس صاحب الهوى لا يسلم من الشر، فإما أن يتابع الجليسُ صاحب الهوى على هواه وباطله، أو يدخل عليه شبهة في دينه، الذي يعرف أنه حق، وفي كل الأحوال فهو جليس سوء، أو نافخ كير، لأنه ينفخ مما اعتمل في قلبه من مزاج ورغبات، دون النظر إلى ضوابط الشرع. ولعل المشكلة الكبرى كامنة في سكوت صاحب العلم، إما إيثاراً للسلامة، وهذا ضعف في الحكمة والبصيرة، وإما نفاقاً لصاحب الهوى، لأن الأخير ذو سلطة أو غنى، وهذا ظلم عظيم. والنتيجة: انتشار الخطأ بين الحضور، وضياع الحق.
والعاقل إذا تعرف على حالات النفوس وتبدلاتها، وتأمل في أخبار الناس وتقلباتهم، وجد أن كل فرد منهم يريد لنفسه أن تطاع وتعلو، وفق حاله ومراده، فالنفوس ممتلئة بحب العلو والرئاسة، وفق ما توفر لها من مال أو مكانة أو تطلعات، فتجد أحدهم يوالي من يوافقه على هواه، ويعادي من يخالفه في هواه، فمعبوده ما يريده ويهواه! كما قال تعالى: {أرأيت من اتخذ إلهه هواه، أفأنت تكون عليه وكيلا}([20]). فمن اتفق معه فيما رأى وحكم، وداوم على الاستماع إليه، واتباعه، صار صديقاً له، مقرباً منه، وإن كان عاصياً لله تعالى، أو حتى مشركاً كافراً. ومن لم يوافقه فيما يهواه، كان عدواً، وإن كان من أولياء الله المتقين. والتفاوت في هذا بين الناس كبير، فكثير من المسلمين يطلبون طاعتهم من غيرهم، وإن كان في هذا السلوك معصية لله تعالى، فمن أطاعهم في ذلك، كان أحب إليهم، وأعز عندهم، ممن أطاع الله ورسوله (h). ومن هنا تتكون الشخصيات المستبدة، التي تقترب من فرعون في غيه.. كيف لا؟ وهم يرون كل ما يقولونه ممدوحاً، وكل ما يفعلونه محط الإعجاب([21]).
قال (شداد بن أوس): "يا بقايا العرب، إن أخوف ما أخاف عليكم: الرياء، والشهوة الخفية. قيل لأبي داود السجستاني: ما الشهوة الخفية؟ قال: حب الرئاسة، فهي خفية تخفى على الناس، وقد تخفى على صاحبها"([22]).
فحب الرئاسة، أحد أسباب الهوى، فكم من رأي قيل، يهدف صاحبه إلى البروز، والاستئثار بالأعين، وتصدر المشاهد. وكم من تزلّف لأصحاب الرئاسة، أملا في الاستفادة. وبالتالي تصبح الرئاسة فتنة، لصاحبها، ومن حولها.
ومن أسباب الهوى أيضاً: التعصب الطائفي والإثني. فقد جاء في السيرة، في أحد مغازي النبـي (h)، أنه اقتتل غلامان: غلام من المهاجرين، وغلام من الأنصار، فنادى المهاجر يا للمهاجرين، ونادى الأنصاري يا للأنصار، فخرج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: ما هذا، دعوى أهل الجاهلية؟! دعوها، فإنها منتنة"([23]). فبين ظهراني الرسول (h)، ووسط أجواء التربية الإيمانية الصحيحة، تغلب التعصب، وتنادوا بدعوى الجاهلية، التي لم يعلق عليها الرسول إلا بوصفها (منتنة). فالتعصب لطائفة سبب آخر من أسباب الحكم بالهوى، والتعصب له. فمجاراة القوم أسهل وأنفع من الاختلاف معهم.
بجانب أيضاً: الخلاف المولود على مصاطب الفراغ والثرثرة، الشاعل لمجالس اللهو والبطالة، هو معصية لله وتوهين للأمة. ولم يكن هذا الخلاف موجوداً عندما شغلت الأمة برسالتها، وعبأت قواها. فلما استراحت، أخذت تتحدث في دينها وتتقعر([24]). وهو خلاف يصطنعه من ألمّوا ببعض العلم، وأرادوا المجادلة، لا النفع به، يثيرون من القضايا ما يبلبلون أذهان مستمعيهم، خاصة من الأكثر جهلا، وتصبح القضايا العلمية الخاصة، موضعا للنزاع في أماكن العامة، وتنشغل القلوب بالفرعيات، ويهملون الكليات والأساسيات، وما يفيد مجتمعهم عملياً.
على الجانب الآخر، فإنه لا يجوز حمل الناس على رأي واحد، ولا مذهب واحد. والحادثة الشهيرة في تاريخ الإسلام، حينما رفض الإمام مالك (رضي الله عنه) ما اقترحه الخليفة العباسي (هارون الرشيد)، عندما سمع الموطأ خلال حجته، من الإمام (مالك)، فرغب أن يعلقه في الكعبة، ويحمل الناس على العمل بما جاء به. فأجابه الإمام (مالك) -رحمه الله- : لا تفعل يا أمير المؤمنين، فإن أصحاب رسول الله (h)، اختلفوا في الفروع، وتفرقوا في البلاد، وكل مصيب. فعدل (الرشيد) عن ذلك([25]).
وعلى المستوى العملي، في تطبيق الأحكام الفقهية، فإن هناك فرقاً بين القاضي المجتهد والمقلد. فالقاضي المجتهد، يجب عليه أن يحكم، في ما يرفع إليه من القضايا وإشكالات وتساؤلات، بما وصل إليه باجتهاده، ولا يجوز للحاكم العام إلزامه، حين التولية أو بعدها، أن يحكم بمذهب معين، أو قول معين. فإن ألزمه، بطل الشرط، وصحت التولية. وقيل: يبطل الشرط والتولية جميعاً. وإن كان الإلزام بعد التولية، بطل الإلزام، وقضى بموجب اجتهاده.. أما القاضي المقلد، فقيل فيه بما ذكر من الخلاف في حكم المجتهد، ويلزمه العمل بما قيد به، ولو خالف اعتقاده.
أيضا، هناك فرق بين المسائل العلمية الكلية، والقضايا الجزئية: فحكم القاضي، أو ولي الأمر، لا يرفع الخلاف في الأولى، فيبقى لغيره حق النظر والحكم فيها بما يراه عن اجتهاد. ويرفع الخلاف في الثانية، فليس لأحد أن ينقض حكم ولي الأمر، أو القاضي، فيها بعينها، إلا إذا خالف نص الكتاب، أو السنة الصحيحة، أو الإجماع([26]).
في ضوء ما تقدم، يتحدد الهدف فيما يطرحه البحث حول (مفهوم تدبير الاختلاف بين عناصر الأمة)، فهناك ثوابت ومتغيرات. فالثوابت، أهمها: أن الاختلاف طبيعة في الفطرة البشرية، والمتغير: في اختلاف الأفهام، والشخصيات، والظروف، والأزمنة، والأمكنة. والثابت: أن النظر إلى الاختلاف من قبل العالم، والداعية، لا بد أن يكون مجرداً من الهوى والتعصب القبلي والفئوي والمذهبـي، وأن يبتغي وجه الله سبحانه. والمتغير: أن كل عالم له الحق في تبني أي رأي، ما دام مستنداً إلى أصول شرعية واضحة.
وعندما نقول: تدبير الاختلاف بين عناصر الأمة، فيعني أن المسألة ليست في الاختلاف ذاته، وإنما سبل تدبيره، وقبوله، والتعامل معه. وبدلاً من أن يكون الاختلاف سبباً لتفرق القلوب، وتشتت العقول، وبلبلتها، يكون سبيلاً إلى سعة الصدور، وقبول الرأي الآخر، والمزيد من الحيوية الفكرية والعلمية والإبداعية في المجتمع. فتبني رأي واحد، واعتباره غاية العلم، والعمل، كارثة. وحمل الناس على مذهب واحد، والتفاني في الدفاع عنه، يؤدي لتجمد العقول والنفوس.
أما عناصر الأمة، فنقصد بها: المكونات الدينية والثقافية والاجتماعية، وغيرها، التي تشكل روافد للأمة: عقيدة، وفكراً، ورؤية، وواقعاً. فيكون تدبير الاختلاف سبباً في جعل هذه المكونات سبيلاً إلى التكامل لا التصارع، الوحدة لا الفرقة، التنوع لا الأحادية، العمل لا النظر، النقاش الثري لا الرأي الجبري، الالتقاء لا الافتراق.
الهوامش:



[1]) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، 1425هـ، 2004م، ص 251.
[2] ) القاموس المحيط، الفيروزآبادي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط5، 1416هـ، 1996م، مادة خلف، ص1045.
[3]) الكليات، لأبي البقاء، أيوب بن موسى الحسيني الكفوي (ت 1094هـ)، تحقيق: عدنان درويش، محمد المصري، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1419هـ، 1998م، ص61.
[4] ) القاموس المبين في اصطلاحات الأصوليين، د. محمود حامد عثمان، دار الزاحم للنشر والتوزيع، الرياض، ط1، 1423هـ، 2002م، ص27، 28.
[5]) فقه الخلاف وأثره في القضاء على الإرهاب، د. يوسف بن عبدالله الشبيلي، بحث مقدم لمؤتمر (موقف الإسلام من الإرهاب) بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1425هـ، منشور على موقع الباحث الشخصي. www.alshubigy.com
[6]) سورة آل عمران، الآية (105).
[7]) تفسير القرآن العظيم، لأبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي، تحقيق: سامي بن محمد السلامة ، دار طيبة، 1422هـ، 2002م، ج2، ص92.
[8]) سورة آل عمران، الآية (104)
[9]) تفسير ابن كثير، ج2، ص92.
[10]) رفع الملام عن الأئمة الأعلام، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، مطبوعات الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، 1396هـ، الطبعة الخامسة، ص4.
[11]) مشكلات في طريق الحياة الإسلامية، محمد الغزالي، كتاب الأمة، وزارة الأوقاف، قطر، ط3، 1402هـ، ص139.
[12]) الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف، أحمد بن عبد الرحيم ولي الله الدهلوي (المتوفى: 1176هـ)، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، دار النفائس، بيروت، ط2، 1404هـ، ص11.
[13] ) رفع الملام عن الأئمة الأعلام، ص6.
[14]) الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف، ص24.
[15] ) الإنصاف في التنبيه على الأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين في آرائهم ومذاهبهم، أبو محمد عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي (المتوفى: 521هـ)، تحقيق: د. محمد رضوان الداية، دار الفكر، بيروت، ط2، 2003م، ص11.
[16]) فقه الخلاف وأثره، ص4.
[17]) سورة غافر، الآية (56).
[18]) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تفسير الطبري لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، تحقيق: محمود محمد شاكر، سلسلة تراث الإسلام، دار المعارف، القاهرة، ج21، ص 404.
[19]) مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، جمع وترتيب: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم  بمساعدة ابنه محمد، نشر بأمر من خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز، ج 3، ص 384.
[20]) سورة الفرقان، الآية (43).
[21]) يذكر أن أحد الحكام المستبدين، كان في رحلة صيد، ومعه أتباعه، وكان مجيداً للصيد بالبندقية، فأصاب الكثير من الحيوانات ببراعة، والكل من حوله من الوزراء والعلماء يهتف إعجاباً، فلما أخطأ مرة، سكتوا واحتاروا فيما يقولون، ثم رفع أكثرهم ذكاءً صوته قائلا: ما أروع حكمتكم مولاي التي تركتم بها هذا الحيوان يحيا! انظر مقال مذكرات أمير منبوذ، سليمة لبال، جريدة القبس الكويتية، الثلاثاء، 15/4/ 2014م.
[22]) مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ج 16، ص346.
[23]) صحيح مسلم (الجامع الصحيح)، الإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري، دار الجيل، بيروت، ط1، 1426هـ، 2005 م، كتاب البر والصلة والآداب: باب نصر الأخ ظالما أو مظلوماً، ص1042، رقم 2584.
[24]) مشكلات في طريق الحياة الإسلامية، ص125، 126.
[25]) المدخل إلى الفقه الإسلامي، د. محمد يوسف موسى، مطابع دار الكتاب العربي، القاهرة، دت، ص108.
[26]) تدوين الراجح من أقوال الفقهاء في المعاملات وإلزام القضاة بالحكم به، إعداد: اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، بحث بمجلة البحوث الإسلامية، الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء، الرياض، المجلد الثالث، 1421هـ، 2001م، ص186. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق