الاثنين، 2 نوفمبر، 2015

الموت في نهج البلاغة

أثير محسن الهاشمي
أولا: التودد إلى الموت (طمأنينة الموت.. موت الطمأنينة)
يبدو أن الموت في خطاب ولغة الإمام علي (رض) حالة مكشوفة، فلذلك نجده لا يهاب الموت أبدا: "أمَّا قَوْلُكُمْ: أَكُلَّ ذلِكَ كَرَاهِيَةَ الْمَوْتِ؟ فَوَاللهِ مَا أُبَالِي أدَخَلْتُ إِلَى المَوْتِ، أَوْ خَرَجَ المَوْتُ إِلَيَّ".
إن رغبة الإمام، وإصراره في الولوج إلى عمق الخطاب، المقترن بثقة ذاتية، من شأنها أن تفصح لنا عن شجاعة تلك الذات الواعية والمدركة لما يدور حولها. إن الذات المفكرة لدى الإمام ترتقي وتلك الرؤية المؤثرة على مستوى خطاب الدنيا، وما يخصها، والآخرة، وما سيدور فيها.
فاللغة تسير وسط تحريك لذهن السامع: الدخول إلى الموت/ الخروج منه.
إن فلسفة الوجود تقترب من فكرة البقاء الأبدي، أو كما يعبّر (هيدجر):« إن هذا الوجود هو بطبعه وجود لفناء، أو وجود للموت. فبمجرد أن يولد الإنسان يكون ناضجاً للموت»، وهذه الرؤية متفق عليها عقلاً ومنطقاً. لكن الذات الإنسانية، وأهواءها، قد لا تتقبل فكرة التضحية، التضحية من أجل البقاء، كما لدى الإمام (رض)، الذي يسير على وفق المنهج القرآني، مُفسّراً، وشارحاً، ومؤّولاً. فالموت لديه: "طَالِبٌ حَثِيثٌ لاَ يَفُوتُهُ الْمُقِيمُ، وَلاَ يُعْجِزُهُ الْهَارِبُ".
يستنهض الإمام فلسفة الموت على أساس قرن الذات بمقاربات منطقية دينية تؤثر في الآخر، إن كان مُدركاً لها، أو متأثراً بها، وبذلك نكون إزاء منطق لغوي، يشتمل رحابه فيضٌ من الرصانة المعهودة بأمر لا بد منه.
إن طمأنينة الموت، أو موت الطمأنينة، لدى الإمام (رض) منهج ديني اتبعه، فلذلك هو يتودد إلى الموت، ويأنس به:
"وَاللهِ لاَبْنُ أَبي طَالِب آنَسُ بالمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِثَدْي أُمِّهِ، بَلِ انْدَمَجْتُ عَلَى مَكْنُونِ عِلْم، لَوْ بُحْتُ بِهِ لاَضْطَرَبْتُمُ اضْطِرَابَ الاْرْشِيَة".
يؤكد الإمام (رض) ترحيبه واستئناسه بالموت، وهو استئناس غريب، فهو يشبهه باستئناس الطفل بثدي أمه، وهل من أحد على مثل هذه الحال في علاقته بالموت". (المستويات الجمالية في نهج البلاغة، نوفل أبو رغيف، دار الشؤون الثقافية، بغداد، ط1، 2008 م: 215)
يتطلب التودد إلى الموت فعلاً وقولاً، إدراكاً ومعرفة، وعياً واستعداداً. ومن ذلك يستشهد الإمام بحديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): «لاَ يَسْتَقِيمُ إيمَانُ عَبْد حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلاَ يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ».
إن المعادلة واضحة جداً: القلب/ اللسان تنتج الاستقامة، والعكس صحيح. فالأمران مرتبطان بماهيّة التواصل الفسيولوجي – العقلي، المشحون بعقائدية الفكر الأخلاقي، الناشئ على وفق المبدأ القرآني.
فالموت إذاً غاية حسنة، يجب أن يستعدّ لها الإنسان عن طريق (العمل/ العقل)، منهجان لرؤية واحدة، مفادها: العمل من أجل المعرفة، أو المعرفة على أساس العمل:
"وَغَداً السِّبَاق، وَالسَّبَقَةُ الجَنَّةُ، وَالغَايَةُ النَّارُ; أَفَلاَ تَائِبٌ مِنْ خَطِيئَتِهِ قَبْلَ مَنِيَّتِهِ، أَلاَ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ قَبْلَ يَوْمِ بُؤْسِهِ".
فــ "إن الدنيا مودّعة، والآخرة مشرفة (والسبقة الجنة، والغاية النار). فإن ما فيه من فخامة اللفظ، وعظم قدر المعنى، وصادق التمثيل، وواقع التشبيه، سرّاً عجيباً، ومعنى لطيفاً، وهو قوله (رض): "والسبقة الجنة، والغاية النار"، فخالف بين اللفظين، لاختلاف المعنيين، ولم يقل: السبقة النار، كما قال: السبقة الجنة؛ لأن الاستباق إنما يكون على أمر محبوب، وغرض من مطلوب، وهذه صفة الجنة، وليس هذا المعنى موجود في النار، فلم يجز أن يقول: والسبقة النار، بل قال: والغاية النار؛ لأن الغاية ينتهي إليها من لا يسرّه الانتهاء، ومن يسرّه ذلك، فصلح أن يعبّر بها عن الأمرين معاً في هذا الموضوع". (الطباق والمقابلة في خطب الإمام علي في نهج البلاغة (دراسة بلاغية دلالية)، رضاته حسين صالح، مجلة ميسان للدراسات الأكاديمية، المجلد التاسع، العدد السابع عشر، كانون الأول 2010 م: 19)
وهكذا فالعمل صفة تنتج عنها طمأنينة الموت، لا الخوف منه: "وَطِيبُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ نَفْساً، وَامْشُوا إِلَى الْمَوْتِ مَشْياً سُجُحاً".
إن أول ما يؤكد عليه الإمام (رض) هو العمل، ومن ثم يستدرج، في الجوانب المهمة التي تأتي بعد العمل، كالنهاية والاستقامة والصبر والورع:
"الْعَمَلَ الْعَمَلَ، ثُمَّ النِّهَايَةَ النِّهَايَةَ، وَالاسْتَقَامَةَ الاسْتِقَامَةَ، ثُمَّ الصَّبْرَ الصَّبْرَ، وَالْوَرَعَ الْوَرَعَ! إنَّ لَكُمْ نِهَايَةً) فَاهْتَدُوا بِعَلَمِكُمْ، وَإنَّ للإسلام غَايَةً، فانْتَهُوا إلى غَايَتِهِ)".
إن الإمام (رض) "يكرر الألفاظ والعبارات والجمل، لتأكيد ما يدعو إليه، وينفذ ما في نفسهِ إلى نفوس المخاطبين بقوة وحماس". (بنية الخطاب النفسي في نهج البلاغة، د.كريم حسين ناصح الخالدي، مجلة كلية التربية للبنات، المجلد 25، 2014 م: 305)
يقدّم الإمام نموذجاً طيباً للحكمة والموعظة الواصفة لطمأنينة الموت، خاصة عندما يكون الموت ضمن إطار منهج آل البيت (رض)، الذين يتصفون بتلك الطمأنينة. فالموت - على وفق المعيار العلوي- عافية مطلقة، يُراد لها الحياة، ويسمو بها النور الإلهي.
يكتسب الخطاب العلوي منظومته الأخلاقية والشرعية على وفق المنهج النبوي الشريف المُؤسس قرآنيّاً، والمُتبع على أساس الفطرة، أو الالتزام الديني، لذلك كانوا للحق عارفين، وللموت طالبين:
"وَمَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَقَاءُ مَنْ لَهُ يَوْمٌ لاَ يَعْدُوهُ، وَطَالِبٌ حَثِيثٌ من الموت يَحْدُوهُ".
إن فلسفة الوجود تقترب لفكرة البقاء الأبدي، الوجود في الآخرة يتشكل على وفق المحتوى الفكري للإنسان، باعتباره المحور الرئيس لتشكيل الحياة وكينونتها:
"فبالإيمان يُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحَاتِ، وَبَالصَّالِحَاتِ يُسْتَدَلُّ عَلَى الإيمان، وبالإيمان يُعْمَرُ الْعِلْمُ، وَبِالْعِلْمِ يُرْهَبُ الْمَوْتُ، وَبِالْمَوْتِ تُخْتَمُ الدُّنْيَا، وَبِالدُّنْيَا تُحْرَزُ الآخرة".
يقدّم الإمام (رض) رؤية واضحة عن (الموت)، على أساس رهبته من العلم، والعكس غير صحيح. لذلك فالإنسان المتعلم يخافه الموت، ولا يخاف هو من الموت، وهذا ما ينطبق مع قوله تعالى: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون}، وبذلك تنتج لنا تلك الصفة الجليّة، والبيّنة، في أحقيّة العلم، وتعلّمه:
الصالحات/ الإيمان
الإيمان/ العلم
 العلم/ الموت
الموت/ الدنيا
الدنيا/ الآخرة
وعلى وفق ذلك القرن الحاصل ما بين المفاهيم المهمة والمُكمّلة لعقل الإنسان، فإن قول الإمام (رض) يفصح عن الارتقاء الروحي والنفسي، والجسدي حتى، والصعود إلى سلّم الخلاص، وإحراز الآخرة:
"بَادِرُوا أَمْرَ الْعَامَّةِ، وَخَاصَّةَ أَحَدِكُمْ، وَهُوَ الْمَوْتُ".
يسير الإمام (علي) (رض) على وفق المنهج القرآني، وبالتالي يعكس جوانب القرآن الكريم، من موعظة أو حكمة، يستنهض على أساسها فكرة تحويل الذات بمقاربات منطقية تعتني بجوهر العقل، إن كنّا مُدركين لها، وغير غافلين عنها، وبذلك نكون إزاء منطق لغوي، يشتمل في رحابه ِ على فيض من الرصانة المعهودة لأمر لا بدّ منه:
"فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَلْقَى اللهَ سُبْحانَهُ وَهُوَ نَقِيُّ الرَّاحَةِ مِنْ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ، سَلِيمُ اللِّسَانِ مِنْ أَعْرَاضِهِمْ، فَلْيَفْعَلْ".
إن لقاء الله تعالى يتطلب فعلاً وقولاً سهْلاً في نظر الإمام (رض)، لكن الأمر (قد) يكون صعباً بالنسبة إلى الإنسان غير المُدرك لحقيقة الآخرة، ومعناها. يقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): «لاَ يَسْتَقِيمُ إيمَانُ عَبْد حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلاَ يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ».
المعادلة ها هنا واضحة جدا: القلب/ اللسان = الاستقامة. وعكس المعادلة صحيحة أيضاً، بلحاظ أن الأمرين مرتبطان بماهيّة التواصل الفسيولوجي/ العقلي، المشحون بعقائدية الفكر الأخلاقي، الناشئ على وفق تربية دينية للإنسان بصورة عامة.
وبذلك تكون صفة اللقاء مع الله سبحانه وتعالى مقترنة بالتودد إلى الموت (موت الطمأنينة، أو طمأنينة الموت) على أساس (الاستقامة) الناتجة من توافق (قلبـي/ لساني).
إن أقوال الإمام (رض) في الموت، تنصبّ في التمعن إليه، والاستعداد له:
"وَبَادِرُوا الْمَوْتَ، وَغَمَرَاتِهِ، وَامْهَدُوا لَهُ قَبْلَ حُلُولِهِ، وأَعِدُّوا لَهُ قَبْلَ نُزُولِهِ، فَإِنَّ الْغَايَةَ الْقِيَامَةُ، وَكَفَى بِذلِكَ وَاعِظاً لِمَنْ عَقَلَ، وَمُعْتَبَراً لِمَنْ جَهِلَ! وَقَبْلَ بُلُوغِ الْغَايَةَ مَا تَعْلَمُونَ مِنْ ضِيقِ الأرْمَاسِ".
إن لغة الموت لدى الإمام (رض) تُقدَّم عن طريق الأمر والطلب: ( بادروا/ امهدوا/ أعدّوا...). ومن المعلوم أن زمن فعل الأمر يبدأ بعد انتهاء المتكلم من الكلام؛ ولذلك فإن زمن القول يتجدد عند كل قراءة، فهو - أي زمن الفعل- يعطينا صفة التجديد في كل زمان ومكان:
"فَإِنّهُ مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ عَلَى فِرَاشِهِ، وَهُوَ عَلَى مَعْرِفَةِ حَقِّ رَبِّهِ عَزَّوَجَلّ، وَحَقِّ رَسُولِهِ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ، مَاتَ شَهِيداً، وَوَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ، واسْتَوْجَبَ ثَوَابَ مَا نَوَى مِنْ صَالِحِ عَمَلِه".
فالموت غاية حسنة يجب أن يبتغيها الإنسان عن طريق (العمل/ العقل)، منهجان لرؤية واحدة، مفادها: العمل من أجل المعرفة، أو المعرفة على أساس العمل، يحدث ذلك عن طريق العقل، معرفة حقّ الله تعالى، ورسوله، وأهل بيته.
ثانيا: هولُ الموت
يندرج المحور الآخر من صورة الموت، في (نهج البلاغة)، على معنى مغاير للمبحث الأول. ويتضمّن وصفاً للموت: صفاته، لحظاته، وهوله.. إلخ.
لنا أن نعرف أيضا أن الموت في هذا الجانب مختص بالناس، فهول الموت لا يختص بالأنبياء، أو الأئمة، فالإمام (علي) – رض - كما عرفنا أنه يتودد إلى الموت، فطمأنينة الموت لديه تنتج على أساس المعرفة الإلهية، والإدراك والوعي بعوالم الآخرة، وأسرارها. لذلك، فإن لغة الموت، وكينونته، تسير باتجاهين: الأول -كما ذكرناه- الطمأنينة والتودد. والآخر: الهول من الموت، وعدم الطمأنينة إليه.
نجد هول الموت، في (نهج البلاغة)، بيّناً وجليّاً:
"فَإِنَّكُمْ لَوْ عَايَنْتُمْ مَا قَدْ عَايَنَ مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ، لَجَزِعْتُمْ، وَوَهِلْتُمْ".
يتجه الإمام (رض) من مبدأ الإخبار من أجل النصيحة، أو بالعكس: النصيحة للإخبار. فهو يخبرنا، ويقدم إلينا النصيحة بما ليس لنا به علم. فالموت، لو عايناه كما عاينه من مات، لأصابنا الجزع والخوف، بحسب الإمام (رض):

لكن ذلك صعب إدراكه؛ لأن الأمر محجوب عن الناس:
"وَلكِنْ مَحْجُوبٌ عَنْكُمْ مَا عَايَنُوا، وَقَرِيبٌ مَا يُطْرَحُ الحِجَاب".
فلا بدّ وأن يأتي اليوم الذي يُنزع فيه الحجاب لكل امرئ، ولكل امرئ عمله:
المعاينة/ محجوبة
طرح الحجاب/ قريب
إن ما يؤهل الإنسان، قبل موته، هو العمل - بحسب الإمام (رض) -، وما يوجهه لنا من خطب مفعمة بلغة، تعلن لنا ما هو مخفي، وتكشف لنا ما هو مستور، يوجّه ذلك عبر لغة النصيحة مرّة، وعبر التساؤل والسؤال مرة أخرى:
"وَغَداً السِّبَاق، وَالسَّبَقَةُ الجَنَّةُ، وَالغَايَةُ النَّارُ; أَفَلاَ تَائِبٌ مِنْ خَطِيئَتِهِ قَبْلَ مَنِيَّتِهِ".
إن العمل صفة من صفات المؤمن الحقيقي. العمل الذي يُنتج عنه طمأنينة الموت، لا الخوف منه. فالعمل الصحيح يورث الجنة، والخطيئة تؤدي إلى النار:
"أَلاَ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ قَبْلَ يَوْمِ بُؤْسِهِ. أَلاَ وَإِنَّكُمْ في أَيَّامِ أَمَل، مِنْ وَرَائِهِ أَجَلٌ، فَمَنْ عَمِلَ في أَيَّامِ أَمَلهِ، قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ، فَقَدْ نَفَعَهُ عَمَلُهُ، وَلَمْ يَضرُرْهُ أَجَلُهُ. وَمَنْ قَصَّرَ في أَيَّامِ أَمَلِهِ، قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ، فَقَدْ خَسِرَ عَمَلَهُ، وَضَرَّهُ أَجَلُهُ. أَلاَ فَاعْمَلُوا فِي الرَّغْبَةِ، كَمَا تَعْمَلُونَ فِي الرَّهْبَةِ".
إن ما بعد الموت، بحسب رؤية الإمام علي عليه السلام، تنصب بأطر جمّة، أهمها:
* الخوف والجزع صفتان متلازمتان.
* الشدة.
* الغشاوة.
إن الموت حقٌ علينا، لا خلاص منه، ولا مفر عنه:
"وَأَمَّا أَعْدَاءُ اللهِ، فَدُعَاؤُهُمْ الضَّلالُ، وَدَلِيلُهُمُ الْعَمْى. فَمَا يَنْجُو مِنَ المَوْتِ مَنْ خَافَهُ، وَلا يُعْطَى الْبَقَاءَ مَنْ أَحَبَّهُ".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق